جاد حداد

الاكتئاب وتسارع تدهور صحة الكلى... رابط أكيد

10 حزيران 2021

02 : 00

يلاحظ اختصاصيو الكلى منذ وقتٍ طويل أن المصابين بمرض الكلى المزمن يتعرضون في حالات كثيرة للاكتئاب. لكن لم يستكشف الباحثون حتى الآن مدى قدرة الاكتئاب على زيادة مخاطر التضرر الكلوي لدى الأشخاص الأصحاء.

تمحورت دراسة جديدة حول راشدين أصحاء، فاكتشف الباحثون فيها أن المصابين باكتئاب حاد كانوا أكثر عرضة لتدهور وظيفة الكلى بوتيرة أسرع من المعتاد. نُشرت نتائج البحث في "المجلة العيادية للجمعية الأميركية لأمراض الكلى".

يوضح المشرف الرئيس على الدراسة، تشيان وي تشين، من الجامعة الطبية الجنوبية في الصين: "مرض الكلى المزمن هو أول عامل خطر مُسبّب لأمراض القلب والأوعية الدموية والفشل الكلوي وحالات الوفاة عالمياً. لهذا السبب، يمكن تخفيف أعباء هذا المرض ومضاعفاته الهائلة عبر رصد عوامل الخطر القابلة للتغيير تمهيداً للكشف المبكر عن المرض والوقاية منه".

جمع البيانات

حلل الدكتور تشين وزملاؤه بيانات الراشدين المشاركين في "الدراسة الطولية الصينية للصحة والتقاعد"، وهي دراسة وطنية حول كبار السن وأشخاص في منتصف العمر في الصين.

جمع فريق البحث قياسات كاملة لدى 4763 فرداً غير مصاب بأي مرض في الكلى في عمر الخامسة والأربعين وما فوق. بلغ متوسط أعمارهم 59 عاماً وشكّل الرجال 45% من مجموع المشاركين.

حلل الباحثون بيانات مأخوذة في الأعوام 2011 و2013 و2015 وأجروا مقابلات مباشرة مع المشاركين وتابعوا حالاتهم في الفترة اللاحقة.

خلال فترة المتابعة كل سنتين، كان الأطباء يجرون قياسات جسدية ويجمعون عينات دم في كل دورتَين من مراقبة المشاركين. قاس الباحثون أداء الكلى عبر استعمال معدّل الترشيح الكبيبي التقديري وقيّموا الأعراض على مقياس الاكتئاب في مركز الدراسات الوبائية المؤلف من عشرة عناصر. خلال فترة المتابعة التي وصلت إلى أربع سنوات، أصيب 260 شخصاً، أي 6% من المشاركين، بخلل متسارع في الكلى.

بعد مراعاة العوامل الديمغرافية والنفسية والاجتماعية والعيادية، اكتشف الباحثون رابطاً إيجابياً بارزاً بين أعراض الاكتئاب الأساسية وتراجع وظيفة الكلى المتسارع لدى عامة الناس.

كذلك، لاحظ الباحثون أن المصابين بأعراض اكتئاب حادة كانوا أكثر عرضة لتراجع سريع في وظيفة الكلى بنسبة 39%.

مسببات محتملة

الاكتئاب اضطراب نفسي معروف، وهو خلل شائع لدى المصابين بمرض الكلى المزمن لأنه قد ينشّط آليات محتملة وكفيلة بتسريع تدهور وظيفة الكلى.

الالتهابات

وفق تقرير نشرته مجلة "طب النفس العالمي"، يستهدف أول عامل مؤثر محتمل، أي الالتهاب المتزايد، بين 25 و50% من المصابين بالاكتئاب.

يقول المشرفون على الدراسة الجديدة إن نتائج الأبحاث السابقة أثبتت أن المصابين باكتئاب حاد يسجلون مستويات أعلى من بروتينات التهابية اسمها السيتوكينات. قد تطلق هذه السيتوكينات عمليات مناعية ذاتية تكون مسؤولة عن اختلال البطانة الغشائية، أي طبقة الخلايا التي تَحِدّ الأوعية الدموية. حتى أنها قد تُسبب تليّف الكلى الذي يُمهّد لنشوء مرض كلوي.

السلوكيات المرتبطة بالصحة

يظن الباحثون أيضاً أن السلوكيات التي تؤثر على الصحة، مثل سوء التغذية وتراجع التفاعل الاجتماعي وقلة الحركة الجسدية وعدم تلقي الرعاية الطبية اللازمة، قد تسيء إلى وظيفة الكلى.

مستوى التعليم

اكتشف العلماء أن المشاركين الذين واجهوا أسوأ أعراض الاكتئاب لم يحصلوا على فرص تعليمية كثيرة. نتيجةً لذلك، قد لا تكون هذه المجموعة قوية عاطفياً بقدر غيرها أو ربما لا تجيد الاعتناء بنفسها.

تجربة مفيدةاطلعت ماري وو، ناشطة في مجال الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية في مجال أمراض الكلى، على نتائج البحث الأخير. هي امرأة صينية مولودة في الولايات المتحدة وقد خضعت لجراحة زراعة الكلى مرتين. وبما أنها تتعايش مع مرض الكلى المزمن منذ عمر مبكر، لم تكن تستطيع مناقشة وضعها أو اضطراباتها العاطفية المشتقة من مرضها. توضح وو: "لم تفاجئني نتائج هذه الدراسة. حين يشعر الناس بالاكتئاب، لا يجدون الحافز الكافي للاعتناء بأنفسهم. يجب أن يحصل الفرد على الخدمات النفسية اللازمة حين تتدهور حالته بدل أن يتلقى هذا النوع من العلاجات في المراحل الأخيرة من مرض الكلى".


دراســــــــة مــــــــحــــــــدودة


يعترف المشرفون على الدراسة بوجود بعض الضوابط في بحثهم. رصدت الدراسة مثلاً رابطاً بين العوامل التي حللتها لكنها لم تستطع إثبات مسؤولية أعراض الاكتئاب عن مرض الكلى.

كذلك، اكتفى الباحثون بتقييم وظيفة الكلى في بداية الدراسة وخلال الزيارات الأخيرة، لكن كانت التجارب المتكررة لتسمح بإجراء تقييم أكثر دقة.

يذكر الباحثون أيضاً أنهم لم يقيسوا مستويات بروتين البول أو زلال البول. كانت هذه العوامل لتؤثر على الروابط بين أعراض الاكتئاب وتدهور صحة الكلى. يأمل العلماء في أن تسهم نتائجهم في تطوير فحوصات لرصد أعراض الاكتئاب. في المقابل، قد يؤدي هذا التطور إلى ابتكار مقاربة نفسية واجتماعية فعالة لتحسين سبل الوقاية الأولية من مرض الكلى المزمن.

تأمل ماري وو من جهتها في أن تنتج الأبحاث المتزايدة حلولاً للمصابين بالاكتئاب ومرض الكلى المزمن: "أتمنى أن تتوسع الدراسات كي تشمل الآسيويين في الولايات المتحدة والمراهقين والراشدين الشباب ومتلقي زرع الكلى المصابين بالاكتئاب. من المفيد أيضاً أن يستكشف الباحثون القلق المتزامن مع الاكتئاب لأن هاتَين الحالتين شائعتان وسط المصابين بالفشل الكلوي أو أي مرض مزمن".



يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.