جيف بيزوس يُطلق حملة شرسة للتفوّق على "نتفلكس"

02 : 00

يُصِرّ جيف بيزوس دوماً على دخول مجال جديد بهدف السيطرة عليه. لا تنجح محاولاته دوماً (هو يواجه المصاعب أصلاً في المجال الفضائي)، ولكنه لا يغيّر هدفه مطلقاً. إنها القصة التي يرويها منذ 27 سنة لأصحاب الأسهم في شركة "أمازون"، فيجبرهم بهذه الطريقة على تقبّل الخسائر الفادحة لبناء شركة تتجاوز قيمتها عتبة 1.6 تريليون دولار. يمكن اعتبار عملية شراء شركة MGM العملاقة التي تم الإعلان عنها في 26 أيار الماضي مقابل 8.45 مليارات دولار (حوالى 7 مليارات يورو) أفضل مثال على هذه الاستراتيجية.

تبدو خدمة Amazon Prime Video، منذ إطلاقها في العام 2016، أشبه بملحق لبرنامجAmazon Prime الذي يفرض رسماً سنوياً لتجنب تكاليف توصيل الطرود. لترسيخ هذا النظام الأساسي الذي يضمن وفاء العملاء للشركة، اقترح بيزوس أن يشمل التسجّل في Prime خدمة البث SVOD (اشتراك فيديو على الطلب). جذب عرض Prime أكثر من 200 مليون شخص حول العالم، لكن لم تكشف "أمازون" يوماً عدد المشاهدين الدائمين لبرامجها عبر خدمة SVOD.

في ظل غياب أي مبادرة استراتيجية حاسمة، بقيت خدمة Amazon Prime Video في المرتبة الثانية بعد "نتفلكس" التي تشمل 207 ملايين مشترك. حتى أن هذه المرتبة لم تعد مضمونة بعد ظهور خدمات أخرى مثل Disney+ و Apple TV+وHBO Max و Peacock التابعة لشبكة NBC Universal. كانت هذه المجموعة تفتقر إلى عنصرَين: محرّكات يسهل التعرف عليها، ودليل شامل. في العام 2016، وجّه بيزوس خلال حفل استقبال في الفيلا التي يملكها في "بيفرلي هيلز" ضربة قاضية لروي برايس الذي كان حينها مدير Amazon Studios (تم تسريحه من عمله في العام 2017)، فهمس له: "أريد نسختي الخاصة من Game of Thrones (صراع العروش)". كان يشير بكلامه إلى المسلسل الضخم الذي أنتجته شبكة HBO وعُرِض في 207 بلدان وحصد أكثر من مليار مشاهدة.

جيف بيزوس يعشق هوليوود! هو يعتبر هذا القطاع الفاخر والمكلف والعالمي الانعكاس المثالي لغروره. كذلك، سيكون انخراطه في هذا المجال تغييراً كبيراً عن الاجتماعات الإدارية التي اعتاد عليها في شركة "أمازون" حيث يتكلم الجميع عن سلاسل التوريد وأداء المستودعات وتحسين الوضع المالي. لكن حاول هذا القطب المستبد وغير التقليدي أيضاً أن يتعامل مع القطاع السينمائي بطريقته الخاصة: إنه رجل أعمال مثالي ومندفع وهو يهتم بالعمليات الحسابية أكثر من الجانب الإبداعي. في العام 2010، تخيّل بيزوس مفهوم الاستوديو العلمي الذي يرتكز على تقييم بشري واسع للمشاريع تزامناً مع إجراء معالجة إحصائية. كان ذلك المفهوم يهدف إلى رفع نسبة النجاح من 10% (المعيار السائد في هوليوود) إلى 40%. كان يمكن تحقيق ذلك تلقائياً لو استُعمِل نظام مراهنة مناسب. لكن احتاج بيزوس إلى ثماني سنوات لاكتساب نظام مماثل.

في غضون ذلك، أحرزت "نتفلكس" التقدم بناءً على مقاربة مختلفة بالكامل. لقد أدرك مؤسسها ريد هاستينغز أن أبرز أقطاب هوليوود سيلجأون إلى خدمات البث عاجلاً أو آجلاً، ما قد يمنعه من الوصول إلى شركات الإنتاج. منذ ذلك الحين، بات صمود "نتفلكس" يتوقف على القيام باستثمارات ضخمة في المشاريع الأصلية من مسلسلات وأفلام وأعمال وثائقية. تترافق هذه الاستراتيجية مع منفعة أخرى، فهي تتجنب المزادات السلبية مع الموردين الآخرين في خدمة البث SVOD لنيل التراخيص.

استفادت "نتفلكس" من ثقة "وول ستريت" كي تخوض مغامرة جديدة في عالم الإبداع، فبَنَت آلية فائقة الكفاءة ترتكز على ثلاثة مبادئ: استقلالية قرارات الفِرَق الناشطة التي تستطيع استثمار ملايين الدولارات أو اليورو، وتحديد توجّهات الشركة عبر أنظمة حلول حسابية لقياس مستوى المخاطر، وإعطاء الأولوية للمنتجات التي تستهدف الجمهور العالمي. اختارت "نتفلكس" هذه المقاربة لأنها مقتنعة بضرورة أن تكون الأعمال الناجحة عالمية. شاهد 70 مليون مشترك حول العالم مسلسل Lupin من بطولة عمر سي مثلاً خلال الأسابيع الأربعة التي تلت صدوره. وأصبح المسلسل الألماني Barbarians (البرابرة) الأعلى مشاهدة في 14 بلداً أوروبياً.

هكذا تفوقت "نتفلكس" على "أمازون" من حيث النوعية والكمية وحصدت مكافآت لا تُعدّ ولا تُحصى في الولايات المتحدة وأوروبا. تُعتبر أعمال "نتفلكس" الأصلية أفضل وسيلة لجذب المشتركين، وحتى المخرجين وكتّاب السيناريو الموهوبين من أمثال ديفيد فينشر أو ألفونسو كوارون. هذا النجاح أزعج جيف بيزوس كثيراً.

تتسارع التطورات على جميع المستويات في العام 2021، وقد نشأت حرب فعلية بين خدمات البث نتيجة انتشار فيروس كورونا. لقد أكّد الوباء المستجد على غياب التناسق بين الأرباح القياسية التي تحصدها شركات الإنترنت العملاقة، بدءاً من "أمازون" و"آبل"، وقطاعٍ انهار فيه الإنتاج بكل وضوح. في ما يخص صالات السينما، قد تستمر العادات الاستهلاكية المكتسبة خلال فترة الحجر المنزلي: في الولايات المتحدة وأوروبا، يشمل عدد متزايد من المنازل خدمتَي فيديو على الطلب في الحد الأدنى.

من بين الأصول التي تراجعت قيمتها، لطالما اعتُبِرت شركة MGM من أفضل الخيارات الجاذبة. أبدت شركة "آبل" اهتمامها بها أيضاً في العام 2017، علماً أنها تحتاج بدورها إلى تحسين دليلها المرتبط بخدمة SVOD. لم يتردد جيف بيزوس في اقتناص الفرصة نظراً إلى احتمال أن يواكب "نتفلكس" بهذه الطريقة، إذ تشمل MGM لائحة من 4 آلاف فيلم، و17 ألف ساعة من المسلسلات المتلفزة، وآلاف المحترفين الذين يعملون بموجب عقود رسمية، ولا ننسى الأعمال الخالدة مثل 25 فيلماً من سلسلة James Bond. أراد بيزوس أن يحقق إنجازاً كبيراً عبر إنتاج الجزء المقبل بعنوان No Time to Die (لا وقت للموت) عبر خدمة Amazon Prime، لكنّ عائلة بروكولي التي تنتج هذه السلسلة منذ العام 1962 عارضت توزيع العمل عبر خدمة SVOD (رغم محاولة MGM كسب 600 مليون دولار من المشروع).

قد يسمح هذا الدليل، إلى جانب إعادة عرض الأعمال، بإنتاج عدد من الأجزاء اللاحقة لأن الفن السابع قد يخسر المنافع التي يستفيد منها المشتركون بخدمة Amazon Prime Video. قام جيف بيزوس، قبل شهرَين من ترك منصب المدير التنفيذي، بطباعة توجّهات مجموعته الجديدة. تتعلق مشكلته الوحيدة بعدم إنتاج نسخته الخاصة من Game of Thrones. باختصار، لا يزال سحر النجاح العالمي يقاوم جهود هذا الملياردير حتى الآن...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.