إعادة إحياء شرق أوكرانيا

10 : 50

استولى الروس على مدينة "كراماتورسك" الصغيرة في شرق أوكرانيا واحتلوها طوال ثلاثة أشهر تقريباً في العام 2014. لكن منذ ذلك الحين، انحصرت المعارك التي تشهدها تلك البلدة في المطبخ، أو في مطابخ متعددة على وجه التحديد. في السنة الماضية، في ذكرى استقلال أوكرانيا، تنافس المسؤولون الحكوميون على ألقاب "أفضل بلوف" و"أفضل بورشت" و"أفضل غولاش" (أطباق أوكرانية). لكن لم تحصل مسابقة مماثلة هذه السنة لأن منظّم معركة الطبخ أُقيل حديثاً.

كان يفغن فيلنسكي أول نائب لحاكم إقليم "دونيتسك". تقع هذه المقاطعة الأوكرانية التي شارك في حكمها على حدود المنطقة الانفصالية التي تخضع راهناً لسيطرة موسكو. تعرّضت "دونيتسك" لأهوال الحرب والانقسام، ولا يتشارك مواطنوها الرأي نفسه حول مستقبلهم. حقق فيلنسكي وفريقه تقدماً بارزاً لمساعدة المقاطعة على النهوض من أجواء الحرب. لكن حين وصل الرئيس الأوكراني الجديد فولوديمير زيلينسكي إلى السلطة، بدأ سريعاً يستبدل كل مسؤول مرتبط بالإدارة السابقة، بما في ذلك فيلنسكي الذي أُقيل في 4 تموز.

تحتل روسيا 7% من أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم وجزء من منطقة "دونباس" على الحدود الشرقية. وحتى ضمن هذه المنطقة الحدودية، يحتل عملاء موسكو جزءاً من "دونيتسك" و"لوهانسك"، ولا تزال مساحات من "دونباس" تحت سيطرة أوكرانيا. يستمر القتال هناك بوتيرة متقطعة، وقد فشلت اتفاقيات "مينسك" التي كان يُفترض أن تحقق السلام. يتردد الكثيرون في واشنطن وبروكسل حتى الآن في استعمال هذا المصطلح، لكن أصبح الجزء المحتل من أوكرانيا نقطة ضغط مستعصية ولا يعرف أحد كيفية حلّ الأزمة هناك.

من بين المقاطعتَين اللتين تشكلان منطقة "دونباس" على الجهة الأوكرانية من خط وقف إطلاق النار، تتفوق "دونيتسك" على "لوهانسك" في مختلف المؤشرات، بما في ذلك الصحة، والتعليم، ومعاشات التقاعد، والطرقات، والشفافية الحكومية، والمداخيل. تعود هذه الاختلافات جزئياً إلى الوضع الاقتصادي والموقع الجغرافي: تتكل "لوهانسك" بشكلٍ أساسي على الزراعة، بينما تتركز الصناعة الثقيلة دوماً في "دونيتسك". لكن تحتل القيادة أهمية بارزة في هذا المجال أيضاً.

يمكن اعتبار فيلنسكي مسؤولاً نادراً في أي بلد، فهو مهندس مدني ومحام ومستشار ويفكر بإقامة تجانس دائم بين مختلف القطاعات. لا أحد يشبهه في "دونباس"! فكّر فيلنسكي وأعضاء فريقه مطولاً بكيفية إعادة الناس إلى "دونيتسك"، مع أنهم ما عادوا في السلطة، وقد صرفوا ما يلزم من الوقت والطاقة بحثاً عن أفكار جديدة مستوحاة من بقية مناطق أوكرانيا لتطبيقها في هذه المنطقة. يتأثر تماسك أوكرانيا كبلدٍ موحّد وقدرتها يوماً على إعادة ضم المناطق المحتلة التي تسيطر عليها روسيا بمدى استعداد مناطقها الشرقية للنهوض من الانهيار الاقتصادي والسياسي.

تراجع العدد السكاني في "دونباس"

لا تكتفي المناطق بالتعافي من تلقاء نفسها، بل يتولى أشخاص حيويون ومغامرون إعادة إحيائها. لكن للأسف، كان هذا النوع من الأشخاص أول من هرب حين اقتحمت القوات الروسية شرق أوكرانيا في آذار 2014. وفي 7 تموز 2014، ظهر مسلحون في منتصف الليل في جامعة "دونيتسك" الوطنية وراحوا يحتلون مساكن الطلاب. لذا غيّر عدد كبير من الأساتذة والطلاب الجامعيين مكان إقامتهم وانتقلوا إلى وسط أوكرانيا، فتركوا "دونباس" من دون قاعدة فكرية قيّمة. يتوقف تعافي المنطقة على عودتهم.

في شهر يونيو الماضي، اعتبر فيلنسكي التعليم أبرز مشكلة مطروحة في المنطقة. يدرك فيلنسكي وفريقه جيداً أن تأسيس جامعة مرموقة على الطريقة الغربية يضمن توافد آلاف الناس إلى "دونباس"، من طلاب وأساتذة ومدراء. ولن يكون إنشاء جامعة جديدة صعباً بقدر ما يظن الكثيرون. كانت الحكومة الأميركية تُطبّق هذا النوع من الخطط بكل براعة، فقد ساهمت الهبات الأميركية في إنشاء "كلية كييف للاقتصاد" و"جامعة العلوم الإنسانية الأوروبية"، ويمكن تطبيق هذا النموذج بسهولة في "دونباس".

صحيح أن الجامعة تساهم في ترسيخ الطبقات المهنية والفكرية في "دونباس"، لكنّ إقامة قاعدة عسكرية دائمة هناك تضمن رجوع آلاف السكان الآخرين إلى المنطقة، كما أنها تعزز سيطرة كييف على جناحها الشرقي. لاستيعاب هؤلاء السكان الجدد، لا بد من توفير مساكن إضافية، علماً أن "دونباس" تفتقر إليها أصلاً. يقيم أكثر من 480 ألف نازح داخلي في "دونيتسك" ويقبع معظمهم حتى الآن في مساكن موقتة، بينما يعيش الكثيرون في الجهة الخاضعة لسيطرة روسيا. ستستفيد المنطقة اقتصادياً إذاً من مشاريع بناء كبرى، حتى لو كانت تهدف في الأساس إلى معالجة مشكلة نقص أماكن الإقامة.

نبض جديد

أنشأ الصراع مع روسيا مفهوماً جديداً من الهوية الأوكرانية، ما أثار استياء بوتين. لكن داخل أوكرانيا، لا تزال الاختلافات بين المناطق عميقة. لطالما اختلفت الحياة في "دونباس" اختلافاً جذرياً عن الحياة في بقية المناطق الأوكرانية. في الشرق الصناعي، تجمّعت البلدات تاريخياً حول المصانع حيث يعمل الجميع وينشطون اجتماعياً. أدى رؤساء المصانع دوراً مبالغاً فيه في الشؤون الاجتماعية وكان يُفترض أن يهتموا بحاجات الشعب. أنتج أسلوب الحياة هذا شكلاً من العزلة وأحبط المغامرين: بشكل عام، لم يكن الناس يتكلمون مع الغرباء!

لكن بدأت الثقافة في المنطقة تتجه إلى الانفتاح راهناً. في بلدة "كوستيانتينيفكا" التي تشمل 75 ألف نسمة وتقع في "دونيتسك"، ينظّم الشبان حفلات موسيقية صيفية في مصنع زجاج مهجور، ويمكن أن تجذب تلك العروض حتى ألفَي شخص. فازت صوفيا بيليبينكو، واحدة من المنظمين، للتو بمقعد في إحدى أهم الجامعات في كييف، لكنها تريد العودة إلى شرق أوكرانيا بعد تخرّجها.

تقول بيليبينكو: "في منطقتنا إمكانات كامنة كثيرة. يتعلق الهدف الأساسي بجمع الناس حول مشروع مهم وتغيير البلدة التي نعيش فيها".

في ساحة "كراماتورسك" المركزية، ركّب مجلس المدينة للتو نافورة تجذب عشرات الناس إلى المكان للتكلم والاستمتاع بوقتهم. اليوم، تتوقف السيارات قبل ممرات المشاة، وتنتشر مراكز لغسل الملابس في أحياء عدة، وتكثر المقاهي في الشوارع الرئيسة. وحتى المطاعم التي كانت تُستعمَل بشكل شبه حصري سابقاً لاجتماعات العمل مددت دوامها لاستقبال العائلات. باختصار، تشهد "دونباس" تغيراً بطيئاً لكنه واضح.

مع ذلك، يطغى اختلاف بارز بين شرق أوكرانيا وغربها في الاتجاهين. كي تنجح أوكرانيا كبلدٍ أوروبي مستقل وبعيد عن مؤامرات موسكو، لا بد من ترسيخ حس قوي بالهوية المدنية فيها.

لمعالجة الانقسام السائد، تقضي إحدى الطرق بدعوة الشبان من وسط أوكرانيا وغربها إلى العيش في شرق البلد طوال سنة. في العام 2014، أطلقت مؤسسة "لفيف" التعليمية مبادرة أولية لامعة لكن موقّتة عبر جلب طلاب من "الجامعة الكاثوليكية الأوكرانية" لإعادة بناء المنازل وإقامة محادثات غير رسمية مع السكان المحليين، فكانوا يتكلمون معهم في معظم الأوقات حول نار تخييم في الهواء الطلق. تستطيع "أكاديمية القيادة الأوكرانية" متابعة هذا العمل عبر فتح فرع جامعي في "كراماتورسك" أو "سلوفيانسك". هذه الأكاديمية هي عبارة عن برنامج ممتد على طول السنة يُحضّر الشبان بين عمر السادسة عشرة والثامنة عشرة لخدمة مجتمعهم. بتمويلٍ من جهات مانحة غربية، تستطيع "أكاديمية القيادة الأوكرانية" أن تبني كلّيتها وتفتح فرعاً لها في شرق أوكرانيا. تسمح هذه المبادرات بتجاوز الأفكار النمطية ونشر حس من الوحدة الوطنية.

الثقة مطلوبة!

يتعلق مشروع أكبر في أوكرانيا برفع مستويات الثقة في المجتمع، إذ يسجّل المواطنون الأوكرانيون أدنى مستويات الثقة بحكامهم عالمياً، لكنهم يثقون بالدول المجاورة لهم والمتطوعين والكنيسة والقوات المسلحة. تشتد المشكلة تحديداً في "دونباس"، لكن يمكن معالجتها حين يحصل الناس في شرق أوكرانيا على فرصة التعاون في ما بينهم.

يمكن اعتبار مطعم محلي في مدينة "إيفانو فرانكيفسك" المؤلفة من 230 ألف نسمة في غرب أوكرانيا نموذجاً قد تستفيد منه "دونباس". استثمر مئة شخص مبلغ مئة ألف دولار في مطعم قرميدي جميل اسمه Urban Space 100. يستضيف المطعم مناسبات اجتماعية حيث يناقش المتحدثون أحدث المسائل السياسية المحتدمة. في "إيفانو فرانكيفسك"، حيث يطغى حزب سياسي واحد على المشهد العام، استضاف المطعم مئات الاجتماعات المماثلة. بنظر معظم سكان أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، تعطي المساحات العامة الحيادية منافع حتمية. تنتشر هناك مراكز اجتماعية وكنائس وأندية مدنية، ويتفاعل الناس مع الغرباء. لكن في أوكرانيا، تُعتبر مساحات التجمع التي تضمن التفاعل بين الناس مفهوماً جديداً. من خلال إنشاء أماكن إضافية لتنظيم المناسبات، على طريقة "إيفانو فرانكيفسك"، سيتمكن الغرباء من إقامة روابط ثقة عبر التعاون لابتكار برامج مدنية.

يسهل أن نُكوّن فكرة قاتمة عن "دونباس". تنتظر أعداد هائلة من كبار السن هناك معاشات تقاعد ضئيلة، ويتجمع النازحون الداخليون في شقق غير مناسبة. مع ذلك، تنبض المناطق عموماً بالحياة والحيوية، باستثناء أصغر البلدات. بدأت شركات صغيرة تنشأ في شرق أوكرانيا، لكنها تحتاج إلى اختراق أسواقٍ أكبر حجماً ولا بد من تحسين خطوط النقل نحو كييف لتحقيق هذا الهدف.

قد تسمح إعادة فتح مطار "كراماتورسك" بربط تلك الشركات، وحتى المنطقة كلها، بالعالم الخارجي. ومن المتوقع أن تُخفف تلك الروابط شعور العزلة السائد راهناً في "دونباس" الخاضعة لسيطرة أوكرانيا. يقع أقرب مطار، "خاركيف"، على بُعد 194 كلم، ولا يزال مطار "ماريوبول" مغلقاً بسبب قربه من جبهة القتال. يمكن أن تُسهّل الخطوط الجوية تنقّل رجال الأعمال أيضاً، والأهم من ذلك هو أن المطار سيجعل الأوكرانيين العاديين يكتشفون أن "دونباس" ليست مختلفة عنهم بقدر ما يظنون!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.