أدّى إبراهيم رئيسي اليمين الدستورية أمام البرلمان في إيران، الخميس الفائت، ليصبح بذلك الرئيس الثامن للجمهورية الإسلامية. وعقب أدائه اليمين، تعهّد رئيسي بدعم أيّ خطط ديبلوماسية لرفع العقوبات عن بلاده. وكانت قد بدأت رسميّاً فترة رئاسته ذات الأربع سنوات الثلثاء لدى تنصيبه من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل بعد الانتخابات التشريعيّة الخامسة في إسرائيل تمّ التوصّل إلى حكومة أمّنت الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي.
أمام هذه الوقائع بدأنا نسمع بتهديدات علنيّة من الطرفين بعضهما لبعض. حتّى أعلنت إسرائيل عن جهوزيّتها لضرب إيران التي لم تتردّد في ضرب السفن الإسرائيليّة التي تعبر مقابل أماكن نفوذها. وما بين فكّي الكمّاشة هذه يرزح لبنان الكبير باسمه، وتاريخه، وتأثيره الجيوبوليتيكي، والصغير بقدراته العسكريّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة. وما شهدناه في الرابع من آب ويوم أمس بين لبنان وإسرائيل ينبئ بسخونة قد تنعكس على المنطقة برمّتها. بالمقابل أي سخونة ما بين إيران وإسرائيل قد تنعكس هي الأخرى على الوضع الدّاخلي في لبنان.
وما التطوّر الحاصل في طريقة ونوعيّة الردّ الاسرائيلي على الصواريخ المجهولة الهويّة التي أطلقت من لبنان إلا مؤشّر آخر على مدى جديّة العدوّ الاسرائيلي في توسيع دائرة الاعتداء. فأصبح الجنوب ساعي بريد يتنقّل بين الدّول في الخارج وبين الأفرقاء اللبنانيّين في الداخل. فالطرف الأقدر بالسلاح هو متّهم مثله مثل أيّ فريق قد يملك أيّ سلاح. وقد يكون عمله تحريضيّاً فقط، على سبيل المثال لا الحصر. والهدف ليحوّل لبنان كلّه إلى ساحة مفتوحة، يسودها هو نفسه بقوّة سلاحه الذي لا يوجد له أيّ منافس سوى السلاح الشرعي.
وهذا يدلّنا على شيء واحد فقط وهو حقيقة الصراع بين السلاحين الشرعي المتمثّل بالدّولة ومؤسّساتها، وغير الشرعي المتمثّل بسلاح "حزب الله" وكلّ سلاح متفلّت ليس ببعيد عن إمرته. هذه هي المعركة الحقيقيّة التي تحوّلت إلى معركة وجوديّة نتيجتها ستقرّر البقاء للأقدر والأقوى. إمّا أن تبقى وتستمرّ الدّولة، أو تسقط. ويبقى السلاح غير الشرعي. وما من عاقل يريد إسقاط الدّولة إلا ليكسب هو معركته. ذلك لنقول أن لا مصلحة في تدمير الهيكل وإسقاطه على رؤوس جميع من يؤمّه إلا للذين يملكون السلاح غير الشرعي جميعهم.
وفي هذه الحالة سيصبح لبنان منطَلَقاً إقليميّاً للمشروع الممانعاتي ما قد يبرّر عندها أيّ اعتداء إسرائيلي. وذلك لأنّ العدوّ ليس بحاجة إلى ذريعة بل إلى مبرّر، بعكس ما يظنّ بعضهم؛ أي أنّ أيّ صاروخ قد يطلق من لبنان سواء أكان من جهة مجهولة أم معلومة سيكون الذريعة ليشنّ العدوّ حربه. فالمبرّر الوحيد الذي يصلح في هذه الحالة هو غياب دولة قادرة على بسط الأمن على أراضيها؛ هذا المبرّر سيضع العدو المعتدي في حكم المعتَدَى عليه من أرض لا دولة فيها لكنّها تعجّ بالسلاح غير الشرعي.
وما يثير الشكّ في ذلك كلّه أنّ الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران لن تدخل في حرب مباشرة عبر لبنان، إلا إذا تمّ إطلاق يد إسرائيل بضربها مباشرة. وبرغم الاستعدادات التي تعلنها الأخيرة مراراً وتكراراً بجهوزيّتها لضرب إيران، إلا أنّها تحسب مئة حساب قبل الإقدام على هذه الخطوة، وذلك لتنتزع الدّعم الدّولي فتطوّب نفسها المنقذ من الضلال الذي سينقذ العالم من إرهاب إيران.
وفي هذا الأتون سيحترق لبنان إلا إذا استطاع الشعب اللبناني أن يستغلّ المومنتوم الدّولي القادم على المنطقة تماماً كما استغلّ المومنتوم الذي حدث في العام 2005 مع الشرارة الدّاخليّة التي كانت باستشهاد دولة الرئيس رفيق الحريري فخرج الجيش السوري مذلولاً من لبنان بعد اجتماع الإرادة الوطنيّة مع المومنتوم الدّولي. وما فشل ثورة 17 تشرين بتحقيق غاياتها إلا لغياب الإرادة الوطنيّة الحرّة الجامعة لبنانيّاً. أضف إلى ذلك غياب المومنتوم الدّولي الذي سيدفع باتّجاه تحقيق الهدف.
من هنا، المطلوب من اللبنانيّين أوّلاً الإرتقاء إلى الحالة الوطنيّة الجامعة التي تشبه حالة 14 آذار 2005 مع الاستفادة من المجتمع الدّولي، ليس بهدف المساعدات الماديّة للجمعيّات غير الحكوميّة فقط، بل لخلق حالة دوليّة مؤيّدة لتحرّر لبنان السياسي من خلال إجراء الانتخابات النيابيّة في أقرب فرصة ممكنة، وتحت مراقبة دوليّة متشدّدة؛ ولتحقيق التحرير الميداني من هيمنة "حزب الله" والتأثير الإيراني في مؤسّسات الدّولة كلّها، بدءاً بالقضاء وليس انتهاء بالأجهزة. عندها مثلاً يتحرّر القاضي بيطار ويكشف الحقيقة لأنّه يصبح بحماية الأجهزة. وإلا تصبح الحقيقة صعبة المنال، ويسهل عندها قضم ما تبقّى من سيادة وهيبة في الدّولة.
هكذا نحمي لبنان ونستعيد الدّولة من الدّويلة بواسطة مؤسّساتها الشرعيّة فقط التي وحدها تستطيع إرجاع الهيبة إلى كيانيّة الدّولة التي باتت اليوم بحكم الساقطة. ويسلم لبنان من أن يكون ساحة الصراع للحرب الكبرى التي تقرع الأبواب. اللهم اشهد أنّي قد بلّغت!