عيسى مخلوف

وقفة من باريس

إيتل عدنان: الوقت لا يأكل الحياة

28 أيلول 2019

12 : 00

etal 3adnan

إذا كان الشاعر الفرنسي شارل بودلير يقول إنّ "الوقت يأكل الحياة"، فإنّ نظرة الفنانة والشاعرة اللبنانيّة باللغتين الفرنسية والإنكليزية إيتل عدنان تقول عكس ذلك. المولودة في العام 1925، المتربّعة على السنوات، لا تحصي الوقت، ولا تتذمّر من الأيّام التي تمضي، لأنّها مأخوذة بشيء آخر: البحث عن جوهر الأشياء وعن سرّ الذات والكون. لكن هذا البحث لا يلهيها، ولم يلهها يوماً، عن أحوال العالم الراهن وقضاياه، وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينيّة ووضع المرأة في العالم أجمع، وفي العالم العربي بالأخصّ.

مشغولة هذه النَّحلة برَحيق الأزهار: إصدارات جديدة آخرها مجموعة شعريّة بعنوان: "تَدَفُّق"، ومعارض عدّة، هنا وهناك في العالم، ومنها اليوم معرض بعنوان "العالم ليس مملكة بالضرورة"، في متحف "لام" في مدينة "فيلنوف داسك" في الشمال الفرنسي. وكانت قد قدّمت للمتحف، في الآونة الأخيرة، مجموعة فنية من أعمالها. وبهذه المناسبة، واحتفاءً بالفنّ اللبناني المعاصر، يقيم هذا المتحف معرضاً هو الأول لموسم الخريف، ويحتوي على أعمال لإيتل عدنان وسيمون فتّال وجوانا حاجي توما وخليل جريج. تتصدَّر المعرض عبارة لإيتل جاء فيها: "الفنّ نافذة مفتوحة على عوالم من الأعياد والرؤى".

هذا العام أيضاً، عرضت الشاعرة والفنّانة أعمالها في متحف "مُودَم" في "اللوكسمبورغ"، وفي متحف بول كْلي، في مدينة بيرن السويسريّة". وكان هذا المعرض الأخير مناسبة للكشف عن علاقتها بالفنّانين المُحدثين، ومن بينهم، إضافة إلى كْلي، نيكولا دو ستال، هنري ماتيس، جورج ماتيو، والفنان والمهندس المعماري المصري رمسيس ويصا واصف.

تزاوج إيتل عدنان بين الكتابة والرسم، بين الكلمة واللون. تنهل من ينابيع عدّة، وتستكشف مواضيع كثيرة منها: الذاكرة والتاريخ والمشهد الطبيعي، اللغة والترجمة والتجريد. أعمالها مسافرة مثلها من لبنان إلى باريس ومن سان فرنسيسكو إلى نيويورك، إلى باريس مجدّداً حيث تقيم الآن مع صديقتها سيمون، وفي الطابق الأسفل من المبنى، جارها جان كامو - ابن ألبير كامو - الذي يدقّ بابها، أحياناً، لفرط إحساسه بالوحدة.

مأهولة لوحاتها بالجبال والوهاد والتلال، بالبحار والشواطئ والخلجان، وبدعوة مستمرّة إلى السفر وعدم الرّكون والثبات. كتابها الأقرب إلى أعمالها الفنّيّة عنوانه "رحلة إلى جبل تملباييس" الذي لا تملّ من رسمه. جبل تملباييس قبالة منزلها في ساوساليتو، في كاليفورنيا، وهو، بالنسبة إليها، كجبل القدّيسة فكتوريا بالنسبة إلى الفنان الفرنسي سيزان، وكجبل فوجي، الجبل الأعلى في اليابان، حجماً ورمزاً، بالنسبة إلى الفنان الياباني هوكوساي. ورد في كتابها عنه: "أنا إلى النافذة، وتملباييس يعيد إليّ النظر. أتوجَّع. وهو لا. لكنّنا الليلةَ متساويان". وعندما أسألها لماذا التركيز على الطبيعة، وعلى هذه العناصر التي تتألّف منها مفردات عالمها الفنّي، تجيب: "تلك الجبال والبحار هي وجهي الآخر. الوجه الأكثر ثباتاً في الزمان". هكذا تسابق إيتل عمرها وتسابق زمنها، بل تعرف أنّ زمنها غير محدَّد بزمن. الكتابة عند إيتل عدنان، ما عدا نصوصها في السنوات الأخيرة، تأتي من مكان آخر. تحضر فيها السياسة والقضايا الكبرى وتحوّلات العالم الذي نعيش فيه، بينما يغيب هذا المشهد عن أعمالها الفنية. وهذا ما طالعنا في روايتها "ستّ ماري روز" التي تنطلق من الحرب الأهليّة في لبنان، أو في كتابها "يوم القيامة العربي". كأنّها حين ترسم، تبحث عن الشجرة الأقرب إلى روحها، تجلس في ظلالها وتتأمّل وتستريح. تعانق ذاتُها الكون بعيداً عن عنف العالم وحروبه ومآسيه. تقول: "لا يكفي أن نعرف، بل أن نعيش تجربة ما نعرف".في لقائي معها ليل أمس، في بيتها، قرب حديقة اللوكسمبورغ، أهدتني كتابها الأخير، وبدلاً من الإهداء، رسمت لي، على صفحته الأولى، قلباً من خلال خطّ واحد بدأ من نقطة محدّدة ثمّ حامَ قليلاً ليعود إليها. داخل هذا الخطّ الذي يتألّف منه القلب، داخل هذا الفراغ المُسَوَّر بقلم الفحم، بدَت لي حدود الوطن الذي لا حدود له، وهو، في هذا العالم، الوطن الوحيد الذي يمكن الانتماء إليه من دون اللجوء إلى أسلحة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.