مريم سيف الدين

لبنانيون ينتفضون ضدّ تردّي الأوضاع الاقتصـادية... "ثورة" خجولة انتهت خلال ساعات

6 دقائق للقراءة
احتجاجاً على تردي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية، وإثر تسارع وتيرة المؤشرات الاقتصادية السلبية وشحّ الدولار في الأسواق اللبنانية وما نجم عنه من أزمات، تظاهر مئات المواطنين في العاصمة بيروت ومناطق مختلفة شمالاً وجنوباً وبقاعاً. وكان عدد من المواطنين قد حدّد السّاعة الحادية عشرة من ظهر أمس الأحد موعداً لـ"الثورة" عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي. فأتت ساعة الصفر لكنها لم تكن "ثورة" بل كانت "فشة خلق" وموجة غضب منخفضة لم ترق إلى مستوى الأزمة. وفيما شارك في التحركات مواطنون عبّروا حقاً عن غصّتهم ومعاناتهم، رأى فيها البعض، من بينهم مشاركون في التحرك، محاولة في السياسة من طرف في السلطة لمواجهة طرف آخر يشاركه الحكم لاستثمارها سياسياً.



عند الموعد المحدّد "للثورة" نزل مئات المواطنين من مختلف التوجّهات إلى الطرقات. التحرّك الأساسي في العاصمة انطلق باتجاه ساحة رياض الصلح أمام مبنى السراي الحكومي. وكالعادة في كل التحركات حضرت القوى الأمنية ومنعت المتظاهرين من الاقتراب من مبنى السراي. وتوزّع محتجون في طرقات مختلفة، فأشعلوا الإطارات ومستوعبات النفايات وقطعوا الطرقات. نجح هؤلاء في اقفال العديد من الطرقات الرئيسية في بيروت، في منطقة بشارة الخوري وسليم سلام وعند جسر الرينغ، ما سبب ارباكاً للسائقين وزحمة سير. وتنقل محتجون على دراجاتهم النارية في ساحات التظاهر بكل راحة على الرغم من إجراءات القوى الأمنية وحواجزها. ولم يخلُ التحرّك من الملاسنات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، وبين المتظاهرين في ما بينهم وهم المختلفين في وجهات النظر. وفي مقابل تهاون القوى الأمنية مع مشعلي الدواليب بدايةً، برزت مشاهد اعتداءات عنيفة على محتجين ما استدعى في ما بعد توضيحاً من قوى الأمن لملابسات هذه الاعتداءات. أما الهتافات التي رفعت فكانت تصبّ في أبرزها "ضدّ العهد".

غياب وجوه حراك 2015

حراك الأمس غابت عنه وجوه برزت في حراك العام 2015، بعد أن أعلن تحالف وطني عدم مشاركته في تحرك اليوم، وهو التحالف الذي يضمّ غالبية المجموعات التي نشأت إثر حراك 2015 والتي كانت الأكثر حماساً للنزول إلى الشارع. ويقول أحد مؤسسي "طلعت ريحتكم" كلود جبر لـ"نداء الوطن" إنّ "تحالف وطني" لم يدعُ للمشاركة لأنه لم يتّضِح له من هي الجهات الداعية، ولأن أفراداً من التحالف تلقوا تهديدات من "حركة أمل" تطالبهم فيها بعدم النزول إلى التحرك تحت طائلة التعرّض للضرب. ويضيف: "شاهدنا الملفات الشخصية للداعين إلى تحرك اليوم، فتبيّن أن عدداً منهم ينتمون إلى "أمل"، وقد منعوا تسمية شخصيّات سياسية، ورفضوا شعار "كلّن يعني كلن"، وهناك بين المحتجين اناس نزلوا إلى الشارع لأنهم موجوعون. والمشكلة ليست في رئيس الجمهورية ميشال عون وحده كما جاء في بعض الهتافات، "مشكلتنا مع النّظام بأكمله". وعلى الرغم من عدم نزوله اليوم إلى الشارع كما اعتاد، يعبّر جبر عن تفاؤله بأن ردة فعل الناس اليوم أتت على الأرض وليس عبر وسائل التواصل الإجتماعي كما جرت العادة. لكنه يشير مجدداً الى شبهة ما طرحها تحرك اليوم، "فللناس طرق مختلفة للتعبير عن رأيها لكن هناك من يحاول الكسب في السياسة واستهداف جهة معينة وليس من المقبول تحييد أي أحد". ويؤكد أنهم في صدد التحضير لسلسلة تحركات متصلة ببعضها سيعلن عنها لاحقاً، "فاليوم نحن في صدد تحليل الوضع وقراءته ليبنى على الشيء مقتضاه. والسؤال المطروح كيف يمكن إخراجهم من السلطة وهم أقوى منا؟ وعلينا أن نتفق أنّ لدينا عدواً مشتركاً".

خلاف حشاش و"سبعة"

كلام جبر أكّدته أحداث اليوم، فشعار "كلن يعني كلن" والذي حُذّر متظاهرون من استخدامه امس، تسبّب بخلاف بين الناشط بيار حشاش وحزب "سبعة" الذي كان مشاركاً في التحرّك. وتؤكد الأمينة العامة للحزب الزميلة غادة عيد لـ "نداء الوطن" أنهم نزلوا بشعار ضدّ السلطة بأكملها، فتعرضوا للضرب من القوى الأمنية. "وعندما بدأنا بإلقاء كلمتنا اعترض بيار حشاش واتهمنا بمحاولة إفشال التحرّك فتدخّل متظاهرون وأبعدوه من السّاحة، وحاول أشخاص آخرون حرف التحرك عن مساره ففضلنا الانسحاب على المشاركة في الأمر". وأعلنت عيد أنها في صدد إعلان سلسلة مطالب تحت شعار "استعادة المال المنهوب" من بينها حكومة تكنوقراط و"إجراء انتخابات نيابية مقبلة". مطلب يبدو مستغرباً بعد أقلّ من عام ونصف العام على انتهاء الانتخابات النيابية الأخيرة والتي أعادت انتاج من كانوا في السلطة، مع فارق في توزيع الحصص. تبرّر عيد مطلبها بعجز النوّاب عن "السرقة من الدولة اليوم والدّفع للناخبين". وتتهم عيد المسؤولين بسرقة الأموال الخاصة الموضوعة في المصارف بعد أن قاموا بسرقة المال العام، "فاليوم يُمنع المواطنون من سحب أموالهم الموضوعة في المصارف".

كرّ وفرّ

وإن بدا التحرّك في الشارع ضرورة للضغط على المسؤولين لتحمّل مسؤولياتهم، في ظلّ العجز عن الطموح حتى بالإطاحة بهم، يظهر إلى الآن وكأنّ تحرّك الأمس لم يضف جديداً. وتكمن الخشية في أن يكون مجرّد "تنفيسة" يعود الناس بعدها إلى يوميّاتهم بانتظار أزمة جديدة تعيدهم إلى الشّارع لفترة قصيرة ينفّسون فيها عن غضبهم قبل أن يعودوا الى خيبتهم. فالخشية أن تكون التحرّكات في الشّارع تجديد خيبة بدل أن تشكّل أملاً حقيقياً بالتّغيير. وما يعزّز هذا التوقّع غياب الخطاب السياسي الواضح والأهداف المحدّدة والواضحة للتحرّك الذي تطغى عليه المطالب المعيشية المتشعبة غير المنفصلة أصلاً عن الواقع السياسي، على الرغم من إصرار متظاهرين على تحييد سياسيين بارزين. وتنوّعت هذه الهموم في السّاحات، فعلى الرّغم من أنّ كل لبناني بات مدركاً جيّداً لكل تفاصيلها، غير أنّه يشعر بالحاجة لتكرارها بأعلى صوت في السّاحات علّ صوته يصل إلى أذنٍ أو ضمير ما يقظ.

ففي السّاحات يشكو الناس ضيق أوضاعهم الإقتصادية ويتحدّثون عن أزمات المياه والكهرباء والتعليم والتلوّث... وفي السّاحة أيضاً مقارنة مع الحال، فمن لا يجد وظيفة يحسد الموظّف ويخبره بأنه في وضع جيّد. يضاف إلى الخطابات محاولة لإقناع القوى الأمنية بالانتفاض هي أيضاً على الوضع الإقتصادي، والمطالبة بمساواة المواطنين بالمسؤولين "فنحن إن قطعنا الطريق تغضبون لكن السياسيين يقطعون الطرقات كل يوم للمرور". محاولات حضّ القوى الأمنية على الانقلاب على الزّعماء لا تنجح، وكما جرت العادة انتهى الأمر بكرّ وفرّ بين المتظاهرين والقوى الأمنية وبضرب محتجين واعتقال بعضهم قبل إطلاق سراحهم.