من أبرز التأثّرات الجيوبوليتيكيّة التي سترخي بظلالها على القضيّة اللبنانيّة ما سيحدث من تطوّرات في الإقليم ككلّ. وهذه القضيّة التي تكمن في الحفاظ على الوجهة الكيانيّة للبنان بدءاً بالمحافظة على جوهر وجوديّته القائم على تعدّديّته ورسالته الإنسانيّة، إضافة إلى وجهته الليبراليّة. ولا يمكن فصل أزمات المنطقة عن التطوّر الذي عصف بأفغانستان بعد الانسحاب الأميركي في نهاية الشهر المنصرم. فهل سيشهد لبنان أيّ انفراجات من شأنها أن تتمظهر في الوصول إلى شكل حكوميّ ما؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان بموقعه الجغرافي يشكّل فاعلاً أساسيّاً في منطقة الشرق الأوسط. ولا مصلحة لدول القرار في تسيُّب الوضع سياسيّاً فيه لأنّ ذلك سيؤدّي إلى تسيُّبٍ أمنيًّ ستكون تداعياته خطيرة على المنطقة ككلّ. وهذا ما قد يغيّر قواعد الاشتباك مع العدوّ الاسرائيلي. ولعلّ ما شهدناه من أحداث أخيرة في بلدة شويّا قد كسر هذه القواعد التي ناهز ثبوتها العقدين من الزمن. وهذا ما لا يشكّل أيّ مصلحة استراتيجيّة لدول القرار، لا سيّما الولايات المتّحدة، حليفة العدوّ الاسرائيلي.
من هنا، لمسنا لهجة عالية في خطاب السفيرة الأميركية في اليومين المنصرمين داعية إلى تشكيل حكومة لبنان. إضافة إلى الأجواء الإيجابيّة التي ما فتئ يضخّها الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي والتي لم تشهد بعد أيّ ترجمة فعليّة سوى ما رشح عن اتّفاق حول الحقيبتين الإشكاليّتين أي الدّاخليّة والعدل. في حين بقيت الحقائب الأخرى كما تركها الرئيس الحريري ليُصَار بعدها الإتّفاق على الأسماء المرشّحة. وهنا يبقى خوف المنظّمة من تفلّت المنظومة من ربقتها بأسماء قد يُعمَلُ على تفخيخها إرضاء للمجتمع الدّولي الواعد بإنعاش ماديّ لإنجاح مهمّة الرئيس ميقاتي، بغية التوصّل إلى ستاتيكو سياسي جديد بانتظار الحلول الكبرى.
وسطذ ذلك، يُخطِئ مَن يظنّ أنّه لا واجب على الشعب اللبناني سوى الترقّب والانتظار. بل يجب أن يُعمَلَ على إنجاح تقاطع وطني مع المصالح الدّولية للتوصّل إلى الحلّ اللبناني. من هنا، المسؤوليّة الكبرى ملقاة على عاتق اللبنانيّين مجتمعين بكلّ أطيافهم السياسيّة. ولا يمكن التوصّل إلى أيّ حلّ ما دام الشعب اللبناني متفرّقًا بمطالباته وتحرّكاته. المطلوب أوّلا أجندة وطنيّة مشتركة تقودها الأحزاب السياسيّة ليس وفقاً لمصالحها الضيّقة، أو لمصالح رؤسائها وزعمائها. وذلك ليس بمنأى عن ثورة النّاس التي ما زالت حتّى هذه اللحظة تتحرّك بطريقة عشوائيّة. وقوام هذه الأجندة الوطنيّة هو استعادة السيادة اللبنانيّة كاملة من دون أيّ نقصان، من الناقورة إلى العريضة مروراً بالمصنع. من غير الجائز بعد اليوم العيش في ازدواجيّة وطنيّة في لبنان. المطلوب حصريّة المفاهيم السياسيّة كلّها في إطار العمل السياسي المنظَّم بحسب الدّستور اللبناني. وهنا بيت القصيد. فمن دون الاحتكام إلى الدّستور والعودة إلى الأصول القانونيّة لممارسة الحياة السياسيّة الطبيعيّة لن يستقيم الوضع السياسي في لبنان. وستبقى الإزدواجيّة في المفاهيم سيّدة على الساحة السياسيّة في لبنان.
الفارق كبير بين الحزب السياسي والميليشيا. من المفترَض ألا يمتلك أيّ حزب أي نوع من السلاح تحت أيّ ذريعة كانت إلا بحسب ما تقتضيه الأنظمة والقوانين المرعيّة الإجراء. أمّا مفهوم الميليشيا فقد تمّ إسقاطه باتّفاق الطائف. وكلّ ما بقي بعد هذا التاريخ هو التفاف على الواقع السياسي. ارتضينا بسلاح إمرته خارج إطار الشرعيّة المؤسساتيّة، الحكوميّة تحديدًا لتحرير الأرض من العدو الإسرائيلي. أمّا وقد تحقّق التحرير فلا مبرّر بعد اليوم لوجود أيّ سلاح. وكلّ كلام غير ذلك هو خارج المنطق السياسي والدّستوري والوطني وحتّى المنطق الكياني. من هنا، العودة إلى الدّولة تبدأ بإلغاء كلّ ازدواجيّة فيها ووضع قراري الحرب والسلم بيد السلطة التنفيذيّة مجتمعة.
واستمرار هذه الإشكاليّة خدمة للمشروع الأيديولوجي لمنظّمة "حز ب الله" هو ما أوصل البلد إلى القطيعة الديبلوماسيّة والعزلة السياسيّة؛ بعدما نجحت المنظّمة بسيطرتها على المنظومة بتغيير الوجهة السياسيّة للبنان التّاريخ نحو بلاد فارس فجعلته جزءًا من ولاية الفقيه. وهذه التداعيات السياسيّة كلّها لن تكون بمنأى عمّا حدث في الإقليم. ولا نتجنّى على "حز ب الله" إن قلنا سيكون فصيلا محارِباً في إيران في حال حدوث أي اصطدام مع جارتها الجديدة.
فبعد التفلّت من الدّيمقراطيّة التي فرضها الوجود الأميركي في أفغانستان طوال عشرين سنة، عادت هذه الدّولة إلى الحكم الطالباني الأصولي. وهذا ما سيشكّل خاصرة رخوة على الحدود الإيرانيّة التي ستخضع حتمًا لواقع جيوبوليتيكيٍّ جديد بين البلدين، الجارين اللدودين. لذلك كلّه، قد نشهد في الفترة المرتقبة استكانة في العواصم الأربع التي نجحت إيران بزعزعتها انطلاقاً من وجود أذرعها المسلّحة فيها. ولبنان أبرز هذه البلدان. من هنا، باتت استعادة الحياة السياسيّة حاجة للأطراف كلّها بمن فيها حز ب الله الذي لم يعد من مصلحته مسايرة حليفه في ممارسة الديمقراطيّة التعطيليّة الأحبّ إلى قلب العمّ كرمى لعيون الصهر. وهذا ما قد ينعكس انفراجات قانونيّة في التحقيق بجريمتيّ المرفأ وعكّار. فقد نشهد حالة جديدة في لبنان لم يعتد اللبنانيّون رؤيتها بعد الحقبة الشهابيّة. وهذا ما سيعيد الثقة الدوليّة إلى الحياة السياسيّة التي انحدرت إلى دركها الأظلم، أيّ جهنّم.
لكن في حال اتّخذ القرار بتسييب لبنان وفتح الجبهات المختلفة فيه تمهيداً للتغيير الكياني الذي تطمح إليه المنظّمة والذي لن يتمّ على البارد، قد تعمَد إلى تسخين الحالة حتّى حدّها الأقصى لتستطيع إنجاز ما لم تستطعه بالسياسة. ولكنّ هذه المسألة لن تكون من دون استنهاض مقاومة كيانيّة أصيلة وطنيّة ما زالت مستعدّة منذ زمن مار يوحنّا مارون وحتّى لحظة كتابة هذه السطور لتحافظ على لبنان الأصالة حتّى لا نردّد عبارة: ويل لنا إن سلّمنا ما استلمنا كما استلمنا.