تعود المتاحف الفرنسيّة إلى الحركة وتقام المعارض الكبرى مجدّداً في متاحف كثيرة منها "اللوفر" ومتحف "أُورسي"، وذلك رغم الوضع المتعثّر بسبب الوباء، ورغم الجمود الذي يعاني منه المجال الثقافي في وجوهه المختلفة. في الأشهر الماضية، ثمّة معارض تمّ تأجيل افتتاحها مراراً، ومعارض أخرى كانت متاحة من خلال زيارات رقميّة فحسب، ومنها ما حُدّد موعد افتتاحها ثمّ ألغي تماماً كما حدث العام الماضي بالنسبة إلى معرض للصور الفوتوغرافية كان من المفترض أن يُقام في متحف "القصر الكبير".
من المعارض المقامة في باريس الآن معرض "مملكة الحواسّ" في متحف "كونياك جاي"، و"حدائق آسيا" في متحف "غيميه"، والفنّ الأفريقي وفنون المكسيك القديمة في متحف "كي برانلي – جاك شيراك". أمّا المعرض الحدث فعنوانه "بيكاسو - رودان"، وقد نظّمه متحف رودان ومتحف بيكاسو معاً. ويركّز هذا المعرض على الجوانب المشتركة لدى هذين الفنانين اللذين مهّدا الطريق للحداثة في الفنّ وأحدثا تحوّلاً في الممارسات الفنّية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. لا يعني المعرض إبراز الأثر الذي تركه بيكاسو على رودان وإنما دراسة أوجه التقارب بين نتاج رودان وبعض أعمال بيكاسو. اللوحات والمنحوتات المعروضة موزّعة على المتحفين معاً. وبهذه المناسبة، سيفتح متحف بيكاسو أبوابه في الرابع من الشهر المقبل لمدّة أربع وعشرين ساعة من دون انقطاع، يتخلّلها لقاءات ومحاضرات وعروض أفلام سينمائيّة. وهذا ما يكشف عن رغبة في العودة إلى الحياة الطبيعيّة بأيّ ثمن، وإن كانت المتاحف لا تستقبل، في الوقت الراهن، أعداداً كبيرة من الزوّار والمهتمّين بالفنّ، كما كانت الحال في السابق، وذلك بفعل الإجراءات الوقائيّة المتشدّدة المفروضة على الجميع، ولانحسار نسبة الآتين إلى العاصمة الفرنسيّة من جميع بقاع الأرض، وهذه النسبة تتراوح بين 70 و90 في المئة من زوّار المتاحف الكبرى في الأوقات العاديّة. وكانت هذه المتاحف عادت إلى نشاطها تلبيةً لمبادرات كثيرة قام بها أهل الفنّ وتحت ضغط نسبة كبيرة من المثقفين الذين اعتبروا أنّ فتح المرافق الثقافيّة لا يقلّ أهمية عن فتح محلات الموادّ الغذائيّة، وبعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها المتاحف ومنها متحف "اللوفر" الذي كان يخسر في فترات إقفاله عشرة ملايين يورو شهريّاً.
كأنّ الإصرار على عودة المعارض الفنّية بصورة شبه طبيعيّة، رغم العوائق التي لا تزال قائمة بسبب "فيروس كورونا" وسلالاته المستجدّة، لا سيّما متحوّر "دلتا"، هو للتأكيد على أنّ الحياة مستمرّة وأنّ الأرض لا تزال تدور. ولا تنحصر هذه المعارض في العاصمة وحدها، بل تنتشر أيضاً في مدن وبلدات أخرى كثيرة، كما الحال مع المعارض المخصّصة هذا الصيف لأعمال الفنّان السويسري ألبرتو جياكوميتي والتي تُعرَض أعماله في باريس، إضافة إلى سان بول دو فانس وموناكو في الجنوب الفرنسي، وتطالعنا فيها رسوم أنجزها جياكوميتي وتمثّل ملامح عدد من أصدقائه الكتّاب ومنهم الكاتب الفرنسي جان جونيه الذي زار مخيّمي صبرا وشاتيلا إثر وقوع المجزرة الوحشيّة وكتبَ نصّاً بعنوان "أربع ساعات في شاتيلا"، وهو القائل "وحده الجُرح أصلُ الجمال".
تقتضي الإشارة أخيراً إلى أنّ متاحف العالم تمرّ بظروف مادّية قاسية وصعبة. ولقد صرّح مدير المجلس الدولي للمتاحف بيتر كيلر (يضمّ هذا المجلس 45 ألف عضو من 138 دولة) بأنّ نسبة المتاحف التي ستغلق أبوابها تتراوح بين 6 في المئة و30 في المئة بحسب الدول، وتتركّز في آسيا وأفريقيا، وخصوصاً في الدول التي تكثر فيها المؤسّسات الثقافية الخاصّة والتي تعتمد على المبادرة الفرديّة، كما هو سائد في الولايات المتّحدة الأميركيّة. وهذا الواقع هو الذي دفع إلى التفكير في الآثار التي تركها وسيتركها الوباء على المتاحف، وعُقدت في هذا الشأن ندوات على الإنترنت - منها الندوة التي نظّمها في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي متحف اللوفر أبوظبي بالتعاون مع جامعة نيويورك أبوظبي، وشارك فيها باحثون وخبراء ومدراء مؤسّسات كبيرة، من جنسيّات عدّة - تناولت مصير المتاحف وتكيّفها مع الأوبئة الآن وفي الآتـي من الزمـن. ويأتي هذا التحرّك في سياق المساعي المبذولة لمواجهة انعكاسات الوباء ليس فقط على جسد الإنسان، بل أيضاً على عقله وروحه.