السفير د. هشام حمدان

أطلبوا محاكمتهم ولو لم يتحقّق ذلك الآن

28 آب 2021

02 : 00

كالعادة، قرأت بكلّ اهتمام ما قاله غبطة البطريرك الراعي في عظته يوم الأحد بتاريخ 22 آب الجاري. تعوّدت أن أصبر منتظراً أحكامه. فميزان العدالة للوطن بين يديه، وأنا أثق أنّه يحمله بعينين مغمضتين وهدفه العدالة. تعوّدت منذ طفولتي أن أدخل إلى قصر العدل في بيروت، وإلى قاعات المحاكم في المدن التي كان والدي قاضيا فيها، فأرى الميزان ينتصب خلفه ليغرس في أعماق من يراه، أن العدالة لا ترى بعيونها بل ببصيرتها، وبأحكام القانون الذي يرعى المجتمع، وبضميرها ووجدانها وأخلاقها وقيمها. هكذا هي البطريركية المارونية.

غبطة البطريرك أطلق موقفاً مهماً أخيراً حين وجّه كلامه إلى الطبقة السياسية وقال: "لقد بات واضحاً أنكم جزء من الانقلاب على الشرعيّة والدولة، وأنكم لا تريدون لبنان الذي بناه الآباء والأجداد: أرض لقاء وحوار، وأنكم لا تريدون حكومة مركزية بل تتقصّدون دفع الشعب عنوة ورغماً عنه، إلى إدارة شؤونه بنفسه، وإلى خيارات ينأى عنها منذ خمسين سنة..." وقد كرر غبطته مطلبه "بضرورة عقد مؤتمر دولي خاص بلبنان، برعاية هيئة الأمم المتّحدة، من أجل إنقاذه بتطبيق قرارات مجلس الأمن غير المطبقة إلى الآن، وتنفيذ إتفاق الطائف بروحه وكامل نصوصه، وإعلان حياد لبنان وفقاً لهويته الأساسية، وتنظيم عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين".

بلغ البطريرك في هذه الكلمة الأخيرة نقطة الفصل. لا ثقة أبداً بهذه السلطة، بل أنها متّهمة بالإنقلاب على الدولة والشرعيّة. غبطته لم يميز بين أحد من أركان السلطة، لكنه حدّدها بالسياسيين، وهذا يعني أنه استثنى السلطة القضائية، وقام بالتركيز على السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما أن هذا التحديد يعني أنّه لا يقصد فحسب من يتولّى حالياً السلطتين، بل كلّ السياسيين الذين يقيمون على هاتين السلطتين. غبطة البطريرك لا يتحدث عن الفساد المالي والإقتصادي فحسب، بل يتحدث أولاً عن التدمير الممنهج لاتفاق الطائف، ولأحكام الدستور، بما في ذلك إلتزامات لبنان الإقليمية والدولية. ففي الدستور نصوص واضحة عن إلتزام لبنان بميثاق جامعة الدول العربية وأيضاً بميثاق هيئة الأمم المتّحدة. لبنان هو بلد مؤسس لهاتين الهيئتين الدوليتين.

والشرعية التي أشار إليها غبطته، لا تتصل فقط بتسمية الوزراء وغير ذلك من الأمور التفصيلية المحليّة، بل تتصل أولاً وقبل كل شيء، بالشرعية الممنوحة لنا وفقاً لإلتزامات لبنان. فلبنان دولة قائمة وفقاً لشرعيّة منحتها له قرارات عصبة الأمم ومن بعدها الأمم المتّحدة. وعليه فإن التزامات لبنان يجب أن تبدأ، في جانبها الدستوري والقانوني، من موجب التزاماته بأحكام ميثاق الأمم المتّحدة وقرارات هذه الهيئة العالمية. هذه هي الأحكام والقرارات التي تضع قواعد القانون الدولي وقواعد الشرعية الدولية. لا شرعية خارج هذه الشرعية. فعندما أوقفنا التزامنا بهذه الشرعية منذ عام 1969، تحوّل لبنان جحيماً وبلغ أخيراً جهنم فعلاً وفقاً لوعد فخامته. الشرعية الدولية تمنحنا حق الدفاع المشروع عن النفس وفقاً للمادة 51 من الميثاق. ولكننا لم نكن ندافع عن أنفسنا وإنما قبل المسؤولون في حينه، بتوقيع اتفاق القاهرة المشؤوم، وإنتهاك اتفاق الهدنة لعام 1949، وانتهاك بالتالي الشرعية الدولية، ولكن تحت الإكراه والضغوط والوعود بسلام لبنان. كانت قشرة الموز التي دفعت لبنان إلى التزحلق والسقوط. فماذا يلزم أركان السلطة الآن بمتابعة هذا الإنتهاك الفظيع لإتفاقية الهدنة والقرارات الدولية سوى الخيانة المتعمّـــدة للبنان والدستور؟

أنا أفهم أن بعض اللبنانيين والأحزاب اللبنانية لا يؤمن أصلاً بالأمم المتّحدة كي يعترف بشرعيتها وبغلبة شرعيتها على أيّ شرعية أخرى في دستورنا. لذلك كنت أطالب منذ زمن بمثل هذا الموقف الوطني الكبير لغبطته، ومساءلة هؤلاء أمام القانون الوطني والشرعية الدولية. لكنني قبلت بالتريث، مقتنعاً بأن القيادة القائمة في موقع البطريركية المارونية، تدرك هذا الأمر ولكنها تتعاطى بحكمة مع نتائجه، مراعاة لمفهوم الميثاقية التي تشكّل أيضاً جزءاً من الشرعية.

أنا كنت أؤمن وما زلت، أن ميثاقية 1934 لم تتحقق من دون اتفاق عربي ودولي (يراجع النهار تاريخ 22 تشرين الثاني 2018)، وأن الميثاقية لا تعني المحاصصة على مراكز السلطة، بل تهدف إلى تحديد الهوية الوطنية: لبنان سيد مستقل لكنه عربي الإنتماء وجزء من النظام والشرعية الدولية (يراجع كتاب د. عصام خليفة من الميثاق الوطني اللبناني إلى الجلاء 1938-1946)، لكنني قبلت ايضاً، بالتريث على أمل أن تغلب الميثاقية بمفهوميها الوطني والتعايشي، فلما لا طالما أننا نريد أيضاً إحترام نص الدستور القائل بموجبات الوفاق الوطني.

ربما آن الآوان الآن ليسافر غبطته إلى الأمم المتّحدة سعياً لتحقيق مطلبه لمؤتمر خاص بلبنان. غبطته يدرك الآن تماماً، أنه لن يحظى بتأييد أي من أركان السلطة الذين وصفهم بالإنقلابيين، لدعوته. لا يمكن لمثل هؤلاء ان ينقلبوا على أنفسهم ويدينوا أنفسهم. غبطته يدرك أنّه يحظى بتأييد الشعب اللبناني الذي استبسل ويستبسل للحفاظ على وطنه. هو يعلم أن لبنانيين من كل الطوائف والمناطق، دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم من أجل إيمانهم بلبنان الذي يحمله على صليب إيمانه وفي عمق ضميره. كلمة منه وسيجد رموزاًِ روحية من كل الطوائف تقف إلى جانبه على منبر الأمم المتّحدة. كلمة منه، وسيجد أحرار لبنان من كل الطوائف وسواء من داخل لبنان أو خارجه، حاضرة لمرافقته إلى الأمم المتّحدة. أنا وكل من يؤمن بلبنان ننتظر قراره ونتوقعه لأننا مؤمنون بحكمته.

وأنا أؤمن أيضاً بثورة الشعب، وأحتفظ بالمطالعة القانونية التي تقدم بها عدد من القانونيين حول انتهاك فخامة الرئيس عون للدستور. وأضيف أنه آن الآوان لقانونيي الثورة أن يتقدموا بطلب أمام القضاء اللبناني بغية تفعيل أحكام الخيانة العظمى وانتهاك الدستور وفقاً لأحكام الدستور، ولكن ليس ضد رئيس الجمهورية الحالي فحسب، بل أيضاً ضد كلّ رئيس للجمهورية سابق وكلّ رئيس للوزراء حالي وسابق، وكلّ رئيس لمجلس النواب حالي وسابق (إذا كان من رئيس غير الرئيس بري أطال الله بعمره)، وضد الوزراء والنواب الحاليين والسابقين الذين إنتهكوا إلتزاماتهم الإقليمية والدولية المثبتة بالأحكام الدستورية، فقبلوا بجعل لبنان رهينة دول أجنبية (سوريا وإيران)، وتواطأوا على تدمير مؤسساته ونهب خزينته وسرقة أموال مواطنيه، وقتل سكانه وتشريدهم وتهجيرهم وإفقارهم وإذلالهم وانتهاك كل حقوق الإنسان المرعية لهم في الدستور والشرعية الدولية.

قد لا يأخذ القضاء بهذا الطلب الآن لكنه سيفعل مع أي تغيير مقبل. علينا أن نضع اللبنة القانونية، فما ضاع حق خلفه مطالب.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.