جاد حداد

المراقبة المستمرة أول سلاح لمحاربة سرطان المثانة

28 آب 2021

02 : 00

يُعتبر سرطان المثانة من أول عشرة أنواع سرطان شائعة حول العالم، إذ تُسجَّل 550 ألف إصابة جديدة سنوياً. يكون عدد كبير من حالات سرطان المثانة قابلاً للعلاج. لمحاربة هذا المرض، يتعلق العامل الأساسي بالكشف المبكر عنه، لكنها عملية شائكة. على عكس سرطان البروستات أو الثدي، ما من اختبار محدد للكشف عن ارتفاع مخاطر سرطان المثانة، لذا يضطر المرضى لرصد المؤشرات المقلقة بأنفسهم.

أبرز الأعراض


يبقى الظهور المفاجئ للدم في البول أبرز مؤشر على الإصابة بسرطان المثانة، وتُسمى هذه الحالة "البيلة الدموية". حين تلاحظ هذه المشكلة، يجب أن تتصل بطبيبك فوراً بدل أن تنتظر اختفاء الدم من تلقاء نفسه. قد لا تترافق البيلة الدموية مع أي ألم، لذا ينتظر بعض الناس زوال المشكلة ويخسرون وقتاً ثميناً.

بالإضافة إلى ظهور الدم في البول، تبرز أعراض أخرى مثل تغيّر طبيعة التبول، فيشعر المريض بحرقة أو ألم أو تزيد وتيرة التبول لديه. قد تكون هذه الأعراض خادعة لأن الناس ينسبونها أحياناً إلى التقدم في السن أو فرط نشاط المثانة ويفضّلون تجاهلها. وحين يُبلِغون الطبيب العام أخيراً بوضعهم، قد يشخّص هذا الأخير الحالة بطريقة خاطئة ويضعها في خانة التهابات المسالك البولية.

عوامل الخطر والجنس والعمر

تكشف الأبحاث أن التدخين هو أهم عامل خطر فردي للإصابة بسرطان المثانة.

تمرّ سموم الدخان بعد تنشّقه بالرئتين، ثم تتسلل إلى مجرى الدم إلى أن يصفّيها الجسم عبر الكلى، ثم تختلط مع البول. قد يبقى ذلك البول الغني بالسموم قابعاً في المثانة لساعات، ما يؤدي إلى تسميم جدرانها.

يقول اختصاصي أمراض المسالك البولية أنطوان فان دير هايدجين: "حين يقلع المرضى عن التدخين، يتراجع احتمال تجدّد السرطان أو تطوره لديهم وترتفع نسبة نجاتهم".

يكون الرجال أكثر عرضة لسرطان المثانة من النساء بثلاث مرات. وفق معطيات "مجلس السرطان"، يصاب رجل واحد من كل 108 بسرطان المثانة قبل عمر الخامسة والسبعين، ما يجعله من أول عشرة أمراض سرطانية تصيب الرجال.

في فئة النساء، يصيب هذا السرطان امرأة واحدة من كل 394. لكن رغم تراجع عدد النساء المصابات بسرطان المثانة، تبقى فرصة نجاتهن من المرض أقل من الرجال. تتعدد أسباب هذه الأرقام برأي الخبراء.

قد يتطور مسار المرض بوتيرة أسرع لدى المرأة لأن جدران مثانتها تكون أقل سماكة، ما يسمح لبعض الأورام بالانتشار بسهولة وغزو أعضاء أخرى. قد يكون دور الهرمونات، مثل الأستروجين، مؤثراً أيضاً. وبما أن المرأة تُعتبر أكثر عرضة لالتهاب المسالك البولية، يسيء الأطباء تفسير أعراضها أحياناً.

يخطئ الأطباء في تصنيف وضع معظم النساء المصابات بالسرطان في المرحلة الأولى عند ظهور الدم في البول، فتوضع الحالة في خانة التهاب المسالك البولية. تقول اختصاصية أمراض المسالك البولية، رينات بيشلر: "من غير الطبيعي أن يتلقى المريض جولات عدة من المضادات الحيوية من دون أن يتلاشى الالتهاب. في هذه الحالة، لا بد من استشارة اختصاصي أمراض المسالك البولية وإجراء الفحص الذي يرصد سرطان المثانة".

على صعيد آخر، لا يكون دور العمر كبيراً في سرطان المثانة، لكن يبلغ متوسط عمر المريض عند تشخيص المرض لديه 73 عاماً. ويُسجَّل أكبر عدد من الحالات في الفئة العمرية التي تتراوح بين 70 و75 عاماً.

أنواع سرطان المثانة

تبرز اختلافات مهمة بين أنواع سرطان المثانة. يصاب حوالى 75% من المرضى بسرطان الظهارة البولية الأقل عدائية، وهو يبدأ في خلايا الظهارة البولية التي تَحِدّ الجهة الداخلية من المثانة. تكون هذه الأورام في معظمها أشبه بنتوءات رقيقة ومشابهة للأصابع، وهي تنبثق من السطح الداخلي للمثانة باتجاه مركزها الفارغ بدل اختراق جدرانها والخروج من المثانة نحو الأنسجة المحيطة. قد يصبح بعض أنواع سرطان الظهارة البولية أكثر عدائية، لذا يستطيع الأطباء التمييز بين مختلف الحالات عبر مقياس يتراوح بين صفر وأربع درجات، ويكون السرطان الذي يحصد أعلى علامة غازياً أكثر من غيره.

تصاب النسبة المتبقية من المرضى (25%) بأنواع أكثر عدائية من السرطان. تبدأ السرطانة اللابدة على شكل ورم غير غازي، لكنها تميل إلى النمو والانتشار بوتيرة أسرع ويرتفع احتمال تجددها في المراحل اللاحقة. يتعرض نصف المصابين بالسرطانة اللابدة تقريباً لنوعٍ من الأورام الغازية للعضلات في نهاية المطاف.

في المقابل، تكون أنواع نادرة من سرطان المثانة غازية للعضلات منذ البداية. تُعتبر هذه الحالات عدائية جداً، لكن تشكّل كل واحدة منها حوالى 1% من مجموع حالات سرطان المثانة. يتوقف العلاج وفرص النجاة على نوع الأورام والمرحلة التي تصل إليها.

الـــتـــشـــخـــيـــص والـــعـــلاجـــات

لتشخيص المرض، يلجأ خبراء سرطان المسالك البولية إلى تنظير المثانة. تسمح هذه التقنية للطبيب برؤية البطانة الداخلية للمثانة على شاشة كمبيوتر والحصول على عيّنة لإجراء فحص الخزعة. أحياناً، يطلب الطبيب أيضاً إجراء تنظير المثانة الفلوري الذي يستعمل دواءً تُنشّطه الأشعة الزرقاء لرصد الخلايا غير الطبيعية. يستطيع الطبيب بهذه الطريقة أن يُحدد نوع السرطان ومرحلته بدقة.

يمكن إزالة السرطان غير الغازي للعضلات من خلال عملية استئصال ورم المثانة عبر الإحليل. في هذه الحالة، يدسّ الجراح أداة رفيعة عبر الإحليل وصولاً إلى المثانة. تكون هذه الأداة مزوّدة بحلقة من الأسلاك على طرفها وهي التي تزيل الورم. ثم يستعمل الجراح قطباً كهربائياً أو جهاز الليزر لتدمير بقية الخلايا غير الطبيعية، علماً أنها لا تكون جزءاً من الورم بالضرورة.

بعد الجراحة، قد يستعمل الأطباء أيضاً أنبوب قسطرة لضخ دواء سائل في المثانة مباشرةً للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقية. يحصل هذا النوع من العلاجات داخل المثانة. لكن قد تتطلب أنواع السرطان الأكثر عدائية علاجات عدة على مر أشهر أو حتى سنوات، حيث تكون العملية نفسها مُصمّمة لاستهداف كل حالة فردية.

على صعيد آخر، يجب أن يخضع المرضى أيضاً لتنظير المثانة بانتظام بعد الجراحة للتأكد من عدم تجدد المرض لأن سرطان الظهارة البولية يميل إلى النمو مجدداً بشكل عام. لكن بفضل المراقبة الحذرة والمستمرة، يمكن تجنب انتشار السرطان مستقبلاً.

يؤكد المريض بيت فان كلافيرين (تغيّر اسمه في هذه المقالة حفاظاً على خصوصيته) على أهمية المراقبة الطبية المتواصلة. بدأت معركته مع سرطان المثانة في العام 1996. رُصِد المرض في حالته بعد ظهور دم في البول، مع أنه تجاهل المشكلة في البداية. يتذكر هذا الصيدلي البالغ من العمر 73 عاماً تجربته قائلاً: "كما يفعل معظم الرجال، أجّلتُ استشارة الطبيب على أمل أن تزول المشكلة من تلقاء نفسها". لكن حين قصد الطبيب العام أخيراً بعد مرور بضعة أشهر، أُحيل سريعاً إلى اختصاصي مسالك بولية، واكتشف هذا الأخير إصابته بسرطان الظهارة البولية غير الغازي للعضلات في الوقت المناسب. لهذا السبب، بقيت التوقعات المرتبطة بفرص نجاته إيجابية.

خضع بيت للجراحة، لكنه أصيب بالسرطان مجدداً بعد مرور سنة. فاستعمل طبيب بيت هذه المرة العلاج داخل المثانة بعد استئصال الورم وضخّ دواء العلاج الكيماوي في مثانة المريض على مر سنة. لم يُصَب بيت بالسرطان طوال العقد اللاحق، إلى أن رصد الدم في بوله مجدداً في العام 2011. فخضع لجراحة أخرى ثم بدأ العلاج داخل المثانة على مر أربع سنوات.

يقول بيت اليوم: "أنا غير مصاب بالسرطان في الوقت الراهن، وأعتبر المراقبة المنتظمة عاملاً أساسياً لتجنب هذا المرض. تعني المراقبة الفاعلة التحقق من غياب السرطان مرتين في السنة عبر تنظير المثانة".

تظن الدكتورة بيشلر أن المصابين بالمراحل الأولى من السرطان غير الغازي للعضلات يستطيعون الخضوع للعلاج المناعي الذي يُعطى عبر العلاج المُركّز داخل المثانة لتحفيز جهاز المناعة على مهاجمة السرطان.

في ما يخص السرطان الغازي للعضلات والأورام التي يستحيل وقفها بهذه الوسائل، قد يوصي الأطباء باستئصال المثانة بالكامل. ثم يمكن تصميم قناة لتحويل مسار البول من الكلى نحو عبوة صغيرة تلتصق بالجسم ويفرغها المريض يدوياً. أو يمكن إعادة بناء المثانة بالكامل، انطلاقاً من قطعة مأخوذة من الأمعاء الدقيقة للمريض. برأي بيشلر، يجب أن يختار الأطباء الخيار الذي يناسب كل مريض.

للحفاظ على صحة جيدة بعد تلقي العلاج، يقضي أفضل حل بالخضوع لفحوصـــات منتظمة وتكرار تنظير المثانة. في الحالات العادية، يكرر اختصاصيو المسالك البولية هذا الفحص كل ثلاثة أشهر في أول سنتين، ثم كل ستة أشهر خلال السنوات الثلاث التي تلي المرحلة الأولى، ثم مرة في السنة في المراحل اللاحقة.

إذا شاهدتَ دماً في البول للمرة الأولى أو بدأت التهابات المسالك البولية تتكرر لديك، لا سيما إذا كانت هذه المشكلة غير مسبوقة، تتعدد الأسباب التي تدفعك إلى إجراء فحص بول شامل. وحتى الإصابة بالتهاب في المسالك البولية لا تنفي وجود ورم دوماً لأن المشكلتَين قد تظهران في الوقت نفسه.

أخيراً، يجب أن تتذكر المرأة التي تصاب فجأةً بالتهابات متكررة في المسالك البولية أن تقييم وضعها لدى اختصاصي أمر إلزامي. أما الرجل، فيكفي أن يصاب بالتهاب المسالك البولية مرة واحدة كي يقصد الاختصاصي فوراً!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.