فصل من كتاب "الدولة المستضعفة" عن تجربة حكومة الرئيس تمام سلام

ربع الساعة الأخير

02 : 00

الدكتور سمير جعجع
في هذا الفصل من كتابه "الدولة المستضعفة" يروي الكاتب عبد الستار اللّاز عن الأيام التي سبقت الشغور الرئاسي وانتهاء عهد الرئيس ميشال سليمان وتهيّب الرئيس تمام سلام واستعداداته لإدارة هذه المرحلة ويتحدث عن الخيارات الرئاسية وعن تواصل الرئيس سعد الحريري مع العماد ميشال عون وعن دور وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل الذي التقى الوزير جبران باسيل وكيف استغل العونيون الفراغ للتحريض الطائفي ضد الحكومة والرئيس سلام.






غداة نيل الحكومة الثقة، وقبل أيام قليلة من بدء مهلة الشهرين التي يحدّدها الدستور لإجراء الانتخابات الرئاسية، وجهت رئاسة الجمهورية دعوات إلى أعضاء هيئة الحوار الوطني لعقد جلسة في 31 آذار في قصر بعبدا، لمتابعة البحث في الاستراتيجية الدفاعية للدولة.

بدت الدعوة من خارج السياق. فالبلاد غارقة في الهموم الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وقبلها ومعها في السباق المحموم بين انتخابات الرئيس المنتظر، والفراغ الزاحف. ظهر ميشال سليمان كما لو أنه متمسك بإظهار حقّه في أداء دوره الكامل كرئيس للبلاد حتى اللحظة الأخيرة، وفي تثبيت وجهة نظره في قضية سلاح "حزب الله".

قبل أسبوع من الموعد المحدّد، تسمّر اللبنانيون أمام الشاشات لمشاهدة الحلقة الأولى من مسلسل الجلسات الفاشلة لانتخاب الرئيس. نال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع 48 صوتاً، ومرشح "جبهة النضال الوطني" هنري حلو 16 صوتاً، وصوّت نواب 8 آذار والتيار الوطني الحرّ بأوراق بيضاء. بدا واضحاً أن الآتي لا يبشّر بالخير، خصوصاً بعدما عطّل فريق 8 آذار النصاب في الدورة الثانية، مبرزاً قدرته على عرقلة انتخاب أيّ رئيس جديد قبل حسم العماد ميشال عون موقفه من ترشحه، حتى لو أدّى ذلك إلى المغامرة بالوقوع في محظور الفراغ.




تغيّب "حزب الله" عن جلسة الحوار. هو يعتبر الداعي خصماً سياسياً غير قادر على أداء دور الحكم بين مختلف الأفرقاء. أعادت الجلسة تظهير الخلاف حول "الذهب والخشب"، خصوصاً بعدما فاجأ رئيس الجمهورية الحاضرين بعرض تسجيل صوتي لوقائع الجلسة التي أقرّ فيها "إعلان بعبدا" بموافقة "حزب الله" في العام 2012 قبل أن يعود ويتنصل منها.

أدلى كلّ من المشاركين بدلوه. لم تخرج المواقف عن المألوف ورُحّلت الجلسة إلى الخامس من أيار، أي إلى ما قبل عشرين يوماً من موعد انتهاء الولاية الرئاسية.

لكنّ النقاش الحقيقي حول مستقبل البلاد كان يجري في أمكنة أخرى. في الرياض وطهران وواشنطن وباريس. كان سعد الحريري قد بدأ التفكير في خيار ميشال عون، لا بل تقدّم كثيراً في هذا الاتجاه. على الأقل، هذا ما نقله الوزير وائل أبو فاعور إلى الرئيس تمّام سلام في الخامس من أيار، بعد زيارة قام بها للمملكة العربية السعودية، قال إنّه اجتمع خلالها بالحريري مرات عدّة، وتمكن في النهاية من إقناعه، بعدم صوابية خياره.

بعد أيام قليلة كانت الانتخابات الرئاسية موضع بحث في باريس بين الحريري ووزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل.

زار نادر الحريري تمّام سلام، وأبلغه أنّ الأمير سعود الفيصل اقتنع بوجهة نظر سعد الحريري حول خطورة الفراغ، وشدّد على أهمية انتخاب رئيس ضمن المهلة الدستورية يكون واحداً من اثنين، جان عبيد أو رياض سلامة.


الأمير سعود الفيصل



قال نادر الحريري أيضاً إنّ الأمير سعود الفيصل سيجتمع قريباً إلى جبران باسيل لإفهامه ألّا يأمل في وصول حميه إلى الرئاسة (وقد عُقد بالفعل لقاء مطول بين الرجلين في الرياض في 13 أيار). كذلك سمع سعد الحريري من الفيصل كلاماً عن "علاقة ما" بين السعوديين والإيرانيين ستساعد في هذا الأمر، من دون أن يعرف طبيعة هذه العلاقة أو عمقها. وقد أُعلن بعد أيام قليلة أن الفيصل وجه دعوة إلى نظيره الإيراني محمد جواد ظريف لزيارة السعودية، لكنّ هذه الزيارة التي بقيت موضع أخذ وردّ وتكهنات إعلامية طوال 18 شهراً، لم تحصل.

كذلك أفاد نادر الحريري بأن الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين يفضلون انتخاب شخصية وسطيّة، وأنّ السفير ديفيد هيل أبلغه أنّ واشنطن تؤيد رياض سلامة.

في التاسع عشر من أيار، أي قبل أسبوع من انتهاء ولاية الرئيس سليمان، قام تمّام سلام بزيارته الأولى للمملكة العربية السعودية كرئيس للوزراء، وقوبل بحفاوة كبيرة لفتت نظر بعض أعضاء الوفد الرسمي ممن يعرفون المملكة ويفهمون طريقتها في إرسال الإشارات والرسائل.

التقى الرئيسان سلام والحريري في خلوة طويلة في منزل الأخير في جدّة. ماذا دار في هذا اللقاء؟


حكومة الرئيس تمام سلام



فهِم سلام أن رئيس تيار المستقبل ما زال على تواصل مع ميشال عون، وأنّه لا يرى فائدة من التراجع. وسمع منه أنّه أبلغ حليفه سمير جعجع بأنّ الأمور وصلت إلى مكان لم يعد يستطيع معه الاستمرار في ترشّحه، وبالتالي عليه أن يدرك أهمية اللجوء إلى خيار آخر توافقيّ، وينظر في إمكانية التواصل جدّياً مع عون لبلورة هذا الخيار.

وقد أكّد الحريري لسلام إستعداده للذهاب إلى أبعد الحدود من أجل إنقاذ البلاد، وقال إنّه شخصياً لا يطمع بمنصب رئيس الوزراء إذا أصبح عون رئيساً.

تكثّفت اللقاءات في لبنان والسعودية وفرنسا من دون الوصول إلى نتيجة. أنباء باريس التي وصلت إلى بيروت تتحدث عن إبلاغ الحريري عون أنّه "يسعى إلى تسويق اسمه لدى المسؤولين السعوديين"، وكتلة المستقبل تعلن في العاصمة اللبنانية أنّ مرشحها كان ولا يزال سمير جعجع.

تمّام سلام يراقب بقلق. يشعر بالمرارة من قوى سياسية أخفقت في الوصول إلى حلّ إنقاذي وارتضت الخوض في مسار مجهول ومحفوف بالمخاطر. هو ابن بيت وجيل وبيئة تؤمن بأنّ المصلحة العامة هي الحدّ الذي تقف عنده كلّ الأنانيات، وتعتبر المغامرة بالاستقرار الوطنيّ من الكبائر. لكنّه فوجئ بمدرسة سياسية جديدة بالغة الجرأة في الاستهانة بالبلاد ومصالح أهلها.

رأى الفخّ الكبير أمامه، وعرف أنّه مقبل على السقوط فيه، ولا يملك القدرة على تفاديه. سخِر من كلّ من زيّن له حسنات احتلاله الموقع الأول في البلاد، ولو موقتاً. ضجت في رأسه الأسئلة الصعبة. كيف سيتصرّف كرئيس مسلم سنّي للسلطة التنفيذية، إلى جانب رئيس مسلم شيعي للسلطة التشريعية، في بلد متعدد الطوائف رئيسه الماروني غير موجود؟ ألم يقل البطريرك الماروني أمام مساعديه إنّ من غير المسموح تكريس "سابقة حكم المسلمين البلد من دون المسيحيين"؟. كيف سيكرّس موقعه الوطنيّ الوسطي الذي عرفه به اللبنانيون، ولا سيما المسيحيون؟ كيف سيدير المرحلة المقبلة ووفق أية آلية ستسير أمور الدولة وشؤون المواطنين؟ كيف سيحفظ التوازن داخل مجلس الوزراء؟ هل سيكون بإمكانه منع الاشتباك السياسيّ المحتدم في البلاد حول الرئاسة من دخول مجلس الوزراء وتعطيل عمل الحكومة؟

أدار محركاته وبدأ جولة استشارات في كل اتجاه لوضع خطة طريق يستنير بها. شكّل مجموعة من الخبراء الدستوريين والقانونيين، بينهم وزير الإعلام نقيب المحامين الأسبق رمزي جريج والأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي والنائب العام التمييزي الأسبق سعيد ميرزا، لمحاولة الردّ على كلّ التساؤلات الدستورية التي تفرضها حالة الشغور الرئاسي، وإيجاد صيغ لإدارة المرحلة إلى حين انتخاب رئيس للبلاد.

أراد أن يبعث رسالة طمأنة إلى اللبنانيين الغارقين في الشكوك والمخاوف حول مصير البلاد. اغتنم فرصة اجتماع مجلس الوزراء في السراي قبل ثلاثة أيام من انتهاء عهد ميشال سليمان ليتعهد بـ"أن تقوم الحكومة بواجباتها كاملة لجهة رعاية شؤون اللبنانيين والسهر على مصالحهم في انتظار انتخاب رئيس للجمهورية".


الرئيس ميشال سليمان



هكذا قدّم تمّام نفسه للمرة الأولى رئيساً لحكومة الشغور. لكنه كان متهيباً، لأن التحدّي كبير، ولم يكن من السهل هضمه ويتطلب تشاوراً مع الجميع. الرئيس برّي كان مواكباً له ويؤكد في كل مناسبة وقوفه إلى جانبه. كانت هواجسه وتساؤلاته كبيرة عن كيفية التصرف في غياب رئيس الجمهورية. المادة الدستورية التي تقول إنّ صلاحيات الرئيس تنتقل إلى مجلس الوزراء في حال خلوّ سدة الرئاسة هي مادة واضحة، لكنها غير كافية كي تتقيّد بها كل القوى السياسية، وخصوصاً أن هناك فريقاً اساسياً هو التيار الوطني الحرّ - الذي تقوم فلسفته في العمل العام على التعطيل والمماحكة والنكد - كان يعتبر أنّ الأمور كلّها يجب أن تُعلّق، وأنّ الحياة يجب أن تتوقف إلى حين انتخاب رئيس جمهورية.

اعتمد العونيون نظرية أنّ الأمور لن تمشي من دون رئيس، وأنّ الموارنة "راحت عليهن" من دون رئيس. لكن لم يكن من الصعب مواجهتهم ومواجهة غيرهم من أصحاب هذه النظرية بأن غياب ممثل الموارنة بوجود تمّام سلام أخفّ من غيابه مع شخص آخر غير تمّام سلام. تمّام سلام لا يمكن اتهامه بأنّه مذهبيّ وطائفيّ. ومع ذلك حاولوا لاحقاً إلصاق صفاتٍ من هذا النوع بسلام ونعتوه بأنّه داعشي.

بدأت المعاناة بعد أيام قليلة. لكن التأييد الذي كان يحظى به والمناخ العام في البلاد ومواقف القوى الإقليمية والدولية أكّدت له أن الحكومة ستكون شبكة أمان للبنان إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. لذلك أتّكل على الله وأقدم، مجبراً لا بطلاً.

في الثالث والعشرين من أيار 2014 ترأس الرئيس ميشال سليمان جلسة أخيرة لمجلس الوزراء في قصر بعبدا، طغت عليها أجواء وجدانية، وتحدث فيها رئيس الوزراء وجميع الوزراء شاكرين الرجل الذي سيودّع قصر بعبدا في اليوم التالي. ثم أقيمت مأدبة على شرف سلام والوزراء وقريناتهم ألقى خلالها سليمان كلمة وداعية.

يحرص تمّام سلام على وصف سليمان بـ"الرجل المستقيم"، ويقول: "كنت أذهب إلى القصر دائماً من دون إعلان، ونعقد جلسات طويلة نتداول فيها في كلّ الأمور. الرئيس سليمان لم يكن عنده حزب أو تيار أو أقارب يتولّون مسؤوليات ويلتزمون مشاريع في البلد. كان منضبطاً بسبب تنشئته العسكرية. لا يهاجم ولا يجرح. وكان جدّياً وشفافاً".

مع انتهاء عهد ميشال سليمان، اعتبر البعض أن حكومة "المصلحة الوطنية" ماتت وأن البلاد ذاهبة إلى وادٍ سحيق لا قعر له. تمّام سلام لا يوافق على هذا التوصيف، لا بل يعتبر أن الحكومة صارت ضرورة لاستمرار البلد رغم كل التساؤلات عن طريقة عملها في المرحلة المقبلة. ولو لم تكن الحكومة موجودة آنذاك، لما عرف أحد ماذا كان حلّ بلبنان.

في الرابع والعشرين من أيار، غادر الرئيس العماد ميشال سليمان قصر بعبدا. أُطفئت الأنوار وأُنزل العلم اللبناني عن السارية وقطعت المياه المتدفقة من نافورة الحوض في الباحة الخارجية، كما يقتضي التقليد.

عنونت جريدة "المستقبل" صفحتها الأولى "وداعاً فخامة الرئيس".

أما جريدة "الأخبار"، فكتبت "من العدم إلى الفراغ".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.