عملية "الحليب الأبيض": كيف أخفت المخابرات النمسوية مجرمَ حربٍ سورياً عن القانون؟

02 : 01

يقال إن خالد الحلبي مسؤول عن تعذيب ناشطين من المعارضة السورية. ورغم الجهود الحثيثة لمحاكمته، يعيش طليقاً في النمسا منذ سنوات ويحظى بحماية المخابرات المحلية هناك.

حين هرب أتباع الدكتاتور السوري بشار الأسد من مدينة الرقة في ربيع العام 2013، تركوا وراءهم أداة غريبة في مبنى أمن الدولة: انه لوح خشبي في وسطه مفصل وعلى طرفه عارضة.

يطلق السكان المحليون اسم "بساط الريح" على هذا الجهاز. لكن تشير هذه الأداة، رغم اسمها اللطيف، إلى وسيلة تعذيب مريعة، حتى نسبةً إلى معايير النظام السوري. يُعلَّق الضحايا على اللوح الخشبي قبل ثنيه فوقهم لأقصى درجة. يقول كل من اختبر هذا الشكل من التعذيب إن التنفس يصبح صعباً والألم لا يُطاق على مستوى الأطراف والظهر.

اليوم، وبعد مرور ثماني سنوات، تشمل شهادات الناجين وأعضاء سابقين في جهاز أمن الأسد تفاصيل أكثر دقة حول الفظائع التي ارتكبها أمن الدولة في الرقة قبل سقوط المدينة بيد المعارضة السورية ثم تنظيم "داعش" الإرهابي. تعرّض السجناء للضرب بالأسلاك والأنابيب البلاستيكية والتعذيب بـ"بسـاط الريح" وصُعقــــــوا بالكهرباء. برزت أيضاً تقارير تشير إلى حصول حالات اغتصاب.

باتت أسماء بعض المرتكبين معروفة، ومع ذلك يصعب محاكمة معظمهم. لكن لا ينطبق هذا الوضع على الرجل المشتبه بمسؤوليته عن الفظائع المرتكبة على يد خبراء الاستجواب تحت قيادته: العميد خالد محسن الحلبي.

كان الحلبي (58 عاماً) رئيس الشعبة 335 في مديرية المخابرات السورية العامة في الرقة قبل أن يهرب إلى أوروبا عن طريق تركيا والأردن غداة سقوط المدينة. أبدى مسؤولون أمنيون في عدد من دول الاتحاد الأوروبي اهتمامهم به، حتى أن البعض حاول تحديد مكانه. حتى الآن، يُعتبر الحلبي ممثل النظام السوري الأعلى رتبة من بين المشتبه بضلوعهم في أعمال التعذيب والمتواجدين في أوروبا.

لكن كان الحلبي يعيش بكل حرية خلال السنوات الأخيرة... في النمسا!

تثبت هذه القصة إلى أي حد قد تختلف مصالح الوكالات الاستخبارية والنيابة الجنائية. يريد البعض جمع المعلومات ويتعهد بالتساهل في المقابل، ويكون البعض الآخر أكثر اهتماماً بمحاكمة المجرمين في محكمة رسمية. تُعتبر قضية الحلبي خير مثال على أسوأ الحلول المحتملة. هرّب المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب الجنرال السوري إلى النمسا منذ ست سنوات بطلبٍ من الموساد الإسرائيلي. بدأت النيابة العامة في فيينا الآن تُحقق بقضية الحلبي، بما في ذلك من العملاء النمساويين الذين أدخلوه إلى البلد وحموه على الأرجح من المحاكمة الجنائية.

بدأت المشكلة في آذار 2015. بعد أربع سنوات على بدء الحرب الأهلية السورية، استقبل الموساد وفداً من المكتب الاتحادي النمساوي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب في تل أبيب، ثم عُقِد اجتماع آخر بعد بضعة أسابيع في فيينا. توصّل العملاء إلى اتفاق حول تعاون شديد السرية بين الوكالتَين، وحمل هذا الاتفاق اسم "عملية الحليب الأبيض".

وفق الوثائق النمساوية، تمكن الإسرائيليون من تجنيد "ضابط استخبارات سوري رفيع المستوى" كمخبر واسمه خالد الحلبي. يقال إن هذا الجنرال السابق "يملك معلومات أساسية حول جهاز المخابرات السورية". وبعد انهيار نظام الأسد (كان هذا الخيار لا يزال وارداً في تلك الفترة)، قد يتمكن الحلبي من "أداء دور مهم في الدولة السورية".

ذكر عميل في المكتب الاتحادي النمساوي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب أن الحلبي استقر في البداية في فرنسا. لكن حصلت "مشاكل في التواصل" مع المخابرات الفرنسية، ولهذا السبب أراد الموساد جلب الجنرال السوري السابق إلى النمسا. لكن على أرض الواقع، كانت المشكلة الحقيقية مختلفة على الأرجح: عبّرت وكالة اللجوء الفرنسية عن شكوكها بضلوع الحلبي في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في سوريا. بدا وكأن طلب لجوئه سيُرفَض في فرنسا إذاً. لهذا السبب، برزت الحاجة إلى خطة احتياطية أخرى.

كانت إسرائيل تهتم في المقام الأول بحماية منشقّ رفيع المستوى عن النظام السوري الذي تعتبره عدوها اللدود. تذكر إحدى الوثائق أن هذا الرجل يملك معلومات هائلة عن جهاز الأمن السوري ويعرف "مجموعة دقيقة من أسرار الدولة". كان الحلبي قد درس علم القانون وتخرّج من الأكاديمية العسكرية واستلم قسم مكافحة التجسس في دمشق قبل قيادة الشعبة 335 في الرقة.

في المقابل، كانت النمسا تسعى إلى تنفيذ أجندة مختلفة. يحمل المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب سمعة سيئة في عالم المخابرات، وقد وجد في هذا الوضع فرصة للتعاون مع واحدة من أفضل الوكالات السرية في العالم. بعبارة الأخرى، ما كان المكتب الاتحادي ليرفض أي طلب يريده شركـــاؤه الأقوياء في الموساد.

في بداية العام 2015، اجتمع ممثلو المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب مجدداً مع نظرائهم الإسرائيليين. وفق إحدى الوثائق، اتفقوا على تسليم "الحزمة" إلى النمسا بعد أسبوعين. كانت "الحزمة" تشير طبعاً إلى العميد السابق خالد الحلبي.

تذكر الوثائق أيضاً أن عملاء الموساد أخرجوا الحلبي سراً من فرنسا في 13 حزيران قبل دخوله إلى النمسا عبر معبر "فالسربيرغ" الحدودي السابق بين ألمانيا والنمسا، بالقرب من "سالزبورغ".

اصطحبه مسؤولون من المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب في البداية إلى فندق في حي "شويشات" النمساوي، ثم رافقوه بعد يومين إلى جلسة استماع خاصة بإجراءات اللجوء. خلال تلك الجلسة، ادعى الحلبي أنه غادر سوريا لأنه لا يريد الانضمام إلى النظام ولا الثوار. أضاف قائلاً: "سأضطر لقتل الناس في الحالتَين ولم أشأ أن ألطّخ يديّ بالدم". لا تكشف أي سجلات أن أحداً طعن في ادعائه.

كان الحلبي يُعرَف في النمسا بصفة لاجئ يحمل رقم التسجيل 151965848. فيما كان مئات آلاف اللاجئين الشرعيين القادمين من سوريا يبحثون حينها عن الحماية في أوروبا وراح المستشار النمساوي سيباستيان كورتس يطالب "بإنهاء سياسات اللجوء"، حصل مسؤول رفيع المستوى في نظام الأسد على حق اللجوء السياسي في النمسا بعد تدخّل المخابرات.

كانت هذه العملية لتشكّل بداية صداقة مدهشة بين الجواسيس النمساويين والموساد. لكن في كانون الثاني 2016، اتصل شخص من لجنة العدل والمساءلة الدولية بمسؤولين في فيينا، وأخبرهم بأنه يملك معلومات تفيد بأن مجرم حرب مشتبهاً به يتواجد في النمسا وطلب موعداً لمناقشة الموضوع.

في أواخر العام 2015، نجح محققون من لجنة العدل والمساءلة الدولية في تحديد موقع الحلبي في فيينا عبر حسابه على "سكايب". لكن حين سافر ممثلون عن اللجنة إلى النمسا في كانون الثاني 2016، حصل أمر غريب. خلال لقائهم مع مندوبَين من وزارة العدل، كان عميلان من المكتب الاتحادي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب حاضرَين أيضاً. كانا يخشيان على ما يبدو انكشاف تعاونهما السري مع الموساد.

في أيار 2016، فتحت النيابة العامة النمساوية تحقيقاً في قضية الحلبي. لكن سرعان ما ظهرت مشكلة أخرى ذات طابع قانوني هذه المرة. على عكس القانون الألماني، يُعنى القانون النمساوي بملاحقة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتُكبت بدءاً من العام 2015 فقط. لكن كان الحلبي قد غادر سوريا في آذار 2013، ولا يمكن تطبيق التعديل الجديد المرتبط بأعمال التعذيب إلا على الفترة القصيرة التي أمضاها في وكالة أمن الدولة. نتيجةً لذلك، أُعيق مسار القضية.

لم تتحرك القضية مجدداً قبل صيف العام 2018 بفضل الضغوط الخارجية. قدّمت فرنسا طلباً قضائياً عبر اليوروبول لإجراء تحقيق حول موقع الحلبي، وقد وصل هذا الطلب إلى جميع الدول الأعضاء، بما في ذلك النمسا. كتب الفرنسيون أن الحلبي والمسؤولين تحت إمرته كانوا متورطين في ممارسات تعذيب شملت الصعقات الكهربائية وأشكالاً أخرى من سوء المعاملة في مدينة الرقة. أبدى المحققون المتخصصون بجرائم الحرب في باريس اهتماماً خاصاً بهذه القضية. تلقّت فيينا أيضاً معلومات جديدة من لجنة العدل والمساءلة الدولية.

في تشرين الأول 2018، أنهت المخابرات النمساوية تعاونها السري مع الإسرائيليين. وبعد فترة قصيرة، اختفى الجنرال السوري السابق من دون ترك أي أثر وراءه. لم يجد المحققون الجنائيون إلا بقايا طعام فاسد في شقته.

لكن تكشف تقارير في صحيفتَي "دير شبيغل" و"دير ستاندرد" أن الحلبي يعيش في فيينا مجدداً أو لا يزال مقيماً هناك، وقد استعان بمحامي دفاع. استدعته النيابة العامة النمساوية منذ بضعة أشهر للإدلاء بشهادته وقد أنكر خلالها جميع الاتهامات. بحسب قوله، هو لم يسمح يوماً بأي نوع من سوء المعاملة حين كان رئيس الشعبة 335 ولا يعرف بحصول أي شكل من العنف ضد السجناء. ثم أكد على أن ضميره مرتاح.

في غضون ذلك، جمعت منظمات غير حكومية من ألمانيا والنمسا والولايات المتحدة أدلة إضافية لإدانته ووجدت شهوداً آخرين. يتوق الناجون إلى مواجهة أحد معذبيهم في المحكمة يوماً.


العميد السوري السابق خالد الحموي في بودابست


كان الطبيب عبادة الحمادة واحداً من الناجين، وهو يقيم اليوم في ألمانيا. لا يزال هذا الأخير يتذكر التعذيب الذي تعرّض له في الرقة وكأنه حصل في الأمس. شارك عبادة في الاحتجاجات وأرسل فيديو من تلك التظاهرات سراً إلى قنوات التلفزة الأجنبية. هو يقول عبر الهاتف إن خمسة أو ستة عناصر من أتباع النظام اعتقلوه وضربوه بقبضات أيديهم وبأعقاب البنادق. ثم حاولوا إجباره في مبنى أمن الدولة على كشف أسماء المتظاهرين. يتذكر الحمادة أنه نُقِل إلى أحد السجون وكان محظوظاً بما يكفي لإطلاق سراحه لاحقاً. هو يطالب الآن بظهور الحقيقة.

لكن لم ترفع النيابة العامة النمساوية أي دعوى قضائية بعد أكثر من خمس سنوات على بدء التحقيقات. تعليقاً على الموضوع، صرّح مكتب النيابة العامة بأن القضية معقدة جداً نظراً إلى جوانبها الخارجية وصعوبة الوصول إلى شهود مؤثرين. في غضون ذلك، ألغت النمسا صفة اللجوء التي حصل عليها الحلبي، لكن استأنف محاميه الحُكم. في مطلق الأحوال، لا يزال جنرال من نظام الأسد حراً طليقاً حتى هذا اليوم...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.