ستيفن كوك

أردوغان المريض قد لا يقوى على قيادة تركيا

9 تشرين الأول 2021

المصدر: Foreign Policy

02 : 01

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يغادر مسجداً في إسطنبول بعد أن فقد وعيه لبضع لحظات /2017
تزداد الأدلة على مرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وقد ينعكس هذا الخبر سلباً على السياسة التركية.

منذ العام 2019، يتطلع الخبراء بشؤون تركيا والصحافيون ومنظمو الاستطلاعات إلى الانتخابات التركية العامة المقررة في العام 2023. يتعلق السبب على الأرجح بالخسارة المهينة التي واجهها مرشّحو "حزب العدالة والتنمية" لرئاسة البلديات في بؤر سكانية مهمة في تركيا، بما في ذلك اسطنبول، في إطار الانتخابات المحلية في العام 2019. تكشف الاستطلاعات الروتينية منذ تلك الانتخابات أن شعبية "حزب العدالة والتنمية" أصبحت هشة، مع أنه لا يزال يسيطر على المؤسسات السياسية ووسائل الإعلام في تركيا. وبحسب بعض المصادر، يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان استنزف شعبيته، لا سيما وسط فئة الشباب.

قد يصبح أردوغان في موقع ضعف فعلاً قبيل العام 2023، لكن لن ينجم هذا الضعف بالضرورة عن الأسباب التي يتوقعها معظم الناس. بل تتعدد المؤشرات التي تثبت أن مرضه قد يمنعه من إعادة الترشّح.

في الأشهر الأخيرة، انتشرت مجموعة فيديوات ظهر فيها الرئيس التركي وهو لا يبدو بخير. لم يكن بعضها واضحاً، لكنها تطرح مُجتمعةً أسئلة حتمية حول صحة أردوغان. في أحد المقاطع مثلاً، بدا وكأن الرئيس يحتاج إلى مساعدة زوجته ومساعده حين حاول صعود السلالم. وفي فيديو آخر، بدا وكأنه يجرّ قدمَيه ويجد صعوبة في التنقل في "آنيت كابير"، ضريح مؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك. وفي فيديو آخر جذب انتباهاً واسعاً في شهر تموز الماضي، تلعثم أردوغان بكلامه خلال خطاب متلفز بمناسبة العيد أمام أعضاء "حزب العدالة والتنمية".

بدا أردوغان هزيلاً أحياناً، وتزامنت هذه الصور مع شائعات حول صحته، منها قصص تزعم أنه يصاب بنوبات نسيان متزايدة، وأعراض أخرى مثل المشاكل التنفسية والارتباك والتقيؤ، ويقال أيضاً إنه زرع جهازاً داخلياً لإزالة الرجفان الأذيني. وفق المصادر نفسها، زاد عدد الأطباء في جوار الرئيس وتراجعت لقاءاته مع الصحافة، وهو يتلقى مسكنات الألم قبل إطلالاته العلنية.

تتكرر هذه الشائعات طبعاً بين أشخاص من خارج تركيا أو شخصيات أخرجها الرئيس من أوساطه الداخلية، ما يعني أن الادعاءات المرتبطة بانتهاء عصر أردوغان الوشيك قد تكون بلا أساس. في النهاية، بدا الرئيس بصحة ممتازة في فيديوات أخرى. حين ظهر في برنامج Face the Nation في 26 أيلول، لم يكن بالقوة التي كان عليها طبعاً، لكنه يبلغ 67 عاماً (ليس مسنّاً لكنه ليس شاباً أيضاً) وقد وصل إلى السلطة منذ أكثر من 18 سنة، ولا مفر من أن يتأثر بهذه الأحداث كلها.

لا يمكن أن يطلق الناس أي أحكام طبية عن بُعد، لا سيما إذا لم يكونوا خبراء في الطب. لكن بعيداً عن هذا النوع من الأحكام، لنتخيّل السيناريو التالي: ماذا لو كان أردوغان مريضاً جداً؟ وماذا سيحصل إذا عجز عن الترشح لإعادة انتخابه في العام 2023 بسبب المرض أو الموت؟

وفق المادة 106 من الدستور التركي، سيستلم نائب الرئيس فؤاد أوكتاي المسؤوليات والصلاحيات التي يملكها أردوغان الآن حتى موعد إجراء الانتخابات (خلال 45 يوماً) وتنصيب رئيس جديد. إنها عملية مباشرة وواضحة. لطالما افترض محللو الشؤون التركية أن "حزب العدالة والتنمية" في حقبة ما بعد أردوغان سينقسم بطريقة تضمن إجراء انتخابات تنافسية قد يفوز بها أي واحد من كبار المعارضين السياسيين في تركيا، منهم أكرم إمام أوغلو الذي هزم رئيس وزراء سابق من "حزب العدالة والتنمية" (مرتَين) وأصبح رئيس بلدية اسطنبول. منصور يافاس هو نظيره في أنقرة ويُعتبر سياسياً قوياً. ولا ننسى ميرال أكشينار، زعيمة "حزب الخير" المعروفة بشراستها.

تتعدد السيناريوات المنطقية التي تتوقع وصول إمام أوغلو أو يافاس أو أكشينار إلى الرئاسة في المرحلة المقبلة، لكنّ الفكرة التي تدعم فوز أي واحد منهم تفترض عودة السياسة إلى وضعها الطبيعي بعد عهد أردوغان. إنه احتمال ممكن، لكن تكثر العوامل التي تدعو إلى التشكيك بحصول ذلك. أولاً، أصبح واضحاً في هذه المرحلة أن أردوغان نجح في تفريغ المؤسسات السياسية التركية أو إخضاعها لرغباته عن طريق "حزب العدالة والتنمية". في هذا السياق، يصعب أن نتخيل تنظيم أي انتخابات حرة ونزيهة خلال 45 يوماً. ثانياً والأهم، زادت ثروات البعض ونفوذه في الأوساط الداخلية لحزب العدالة والتنمية خلال عهد أردوغان القائم منذ عقدَين، وقد حصل ذلك في معظم الأحيان عبر ممارسات ووسائل مريبة. من المستبعد أن يخاطر المسؤولون ورجال الأعمال والإعلاميون وسواهم بمكاسبهم إذاً عبر المجازفة بحظوظهم وتبنّي سياسات أكثر ديمقراطية.

في ظل هذه الظروف، لا بد من أخذ احتمال مختلف بالاعتبار: قد يحكم زعيم قوي آخر تركيا بعد عهد أردوغان، وقد يحصل ذلك بعد فرض حال الطوارئ. تتعدد الشخصيات القوية في تركيا، إلى جانب أردوغان، منها رئيس المخابرات هاكان فيدان، ووزير الدفاع الوطني خلوصي آكار، ووزير الداخلية سليمان سويلو. من بين هذه الأسماء الثلاثة، يبدو آكار الأوفر حظاً لاستلام قيادة البلد. فيدان اسم معروف للأتراك، لكنه ينشط عموماً وراء الأبواب المغلقة في منظمة المخابرات الوطنية. أما سويلو، فقد تشوّهت سمعته بعدما أعلن زعيم المافيا التركي سيدات بيكر أن وزير الداخلية فاسد ومتورّط في الجرائم المنظّمة عبر سلسلة فيديوات نشرها على يوتيوب في الأشهر الأخيرة.

يتفوق آكار على فيدان وسويلو أيضاً في مجالٍ يعجزان عن مضاهاته فيه: القوات المسلحة. كان المحللون يميلون إلى الاستخفاف بدور الجيش في السياسة التركية منذ أن أصبحت القوات المسلحة تحت سيطرة المدنيين بموجب الإصلاحات في العامَين 2003 و2004. يبدو أن الانقلاب الفاشل في العام 2016 (حيث رفض عدد كبير من الأتراك، بغض النظر عن انتمائهم السياسي، العودة إلى نظام الوصاية العسكرية، ثم حصلت موجة تطهير واسعة في سلك الضباط) أضعف رغبة القادة العسكريين في لعب أي دور في عالم السياسة. لكن أدى آكار، رئيس هيئة الأركان المشتركة خلال محاولة الانقلاب ثم وزير الدفاع الوطني، دوراً محورياً في إعادة تشكيل القوات المسلحة بعد تموز 2016، وقد تسمح جهوده هذه للجيش باسترجاع دور سياسي معيّن... لدعم آكار!



وزير الدفاع التركي خلوصي أكار


خلال السنوات الخمس اللاحقة، كان هذا الوزير مسؤولاً عن تعيين حوالى 65% من الضباط، بما في ذلك مئات الجنرالات، وحتى نسبة مرتفعة من الضباط غير المفوضين. لم تكن هذه المعلومة مهمة حين كان الجيش التركي يضع نفسه فوق السياسة ويحتفظ بحق التدخّل لحماية نظام أتاتورك. لو خضع الجيش لسلطة المدنيين عن طريق القوانين والتنظيمات والمراسيم، وهو نهج بدأ "حزب العدالة والتنمية" بتنفيذه منذ بداية عهده، ما كان نفوذ آكار داخل صفوف الجيش ليطرح أي مشكلة. لكن رغم خضوع الضباط لسلطة المدنيين، لا يحصل ذلك عبر المؤسسات السياسية بل عن طريق الولاء. هم يدينون بمكانتهم ونفوذهم إلى مسؤولَين مدنيَين: آكار وأردوغان. وإذا توفي الرئيس أو أصبح فاقد الأهلية، سيصبح آكار في موقع قوي جداً.

قد لا يعترض البعض في واشنطن على وزير الدفاع الوطني، فهو ليس سيئاً بشكل عام، ويبدو شخصاً براغماتياً، ويمكن التعامل معه. إنه موقف منطقي طبعاً، لكن يجب ألا يتوقع أحد من آكار أن يكون ودوداً مع الولايات المتحدة. هو يحمل فكر أردوغان الإيديولوجي، كما أنه يؤيد مواقف ضباط قوميين متطرفين ومعادين للغرب. اتخذ هؤلاء خطوات عدة، منها التآمر لمعاقبة الضباط الذين ينفذون أوامر حلف الناتو أو أمضوا وقتاً طويلاً في أوروبا و/أو الولايات المتحدة، فقرروا اعتقالهم (بتهمة الارتباط برجل الدين المثير للجدل فتح الله غولن) أو حرمانهم من مناصب المسؤولية. كان آكار المسؤول المباشر أيضاً عن موقف تركيا العدائي في منطقة البحر الأبيض المتوسط في صيف العام 2020، حين تصدّت أنقرة لليونان وفرنسا مع أنهما جزء من حلفائها في الناتو. على صعيد آخر، يصعب على وزير الدفاع أن يقترب من كاريزما أردوغان ومهاراته السياسية، لكنه لن يحتاج إلى هذه المزايا إذا كان يحظى بولاء معظم الضباط، في البداية على الأقل.

لا يمكن التأكد من وضع أردوغان الصحي أو توقّع هوية خَلَفه، لكن لن يستفيد المحللون والمسؤولون الحكوميون إذا افترضوا أن أردوغان سيخوض انتخابات العام 2023 في مطلق الأحوال. إذا لم يشارك الرئيس في ذلك الاستحقاق، قد تعود السياسة التركية إلى وضعها السابق، أو قد تشكّل التصدعات داخل "حزب العدالة والتنمية" فرصاً مفيدة للمعارضة، أو قد تزيد الفوضى في البلد، أو يقع حدث آخر. طوال سنوات، افترضت أوساط السياسة الخارجية أن مصر ستنتقل من عهد حسني مبارك إلى ابنه جمال مبارك أو رئيس المخابرات عمر سليمان. لكن لم يصل أيٌّ منهما إلى السلطة في نهاية المطاف. كل من يتجاهل مؤشرات تدهور صحة الرئيس التركي ويتوقع استمرار الوضع الراهن يرتكب خطأً أكثر خطورة إذاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.