بول هير

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين أصبحت حتميّة

13 تشرين الأول 2021

المصدر: Foreign Policy

02 : 01

أعلن عدد كبير من المحلّلين والمعلّقين أن الولايات المتحدة والصين تتجهان إلى خوض حرب باردة جديدة، أو سبق وبدأت هذه الحرب بينهما. يشير هذا المصطلح في تحليلاتهم إلى منافسة استراتيجية ثنائية بين قوّتَين نوويتَين وفكرهما الإيديولوجي. من المتوقّع أن تكون هذه المنافسة مشابهة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث يتسابق الطرفان للهيمنة على العالم ويجبران الدول الأخرى على الاختيار بين الديموقراطية والاستبداد. لكن ستبقى هذه الحرب "باردة" لأن أيّ طرف لا يريد خوض مواجهة عسكرية مباشرة أو غزو البلد الآخر. عملياً، ستنحصر الحرب الباردة الأميركية الصينية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية بشكلٍ أساسيّ.

يؤكد مراقبون آخرون بكل ثقة على عدم حصول حرب باردة بين الطرفين لأن واشنطن وبكين لا تخوضان صراعاً إيديولوجياً للسيطرة على العالم. وفق هذا السيناريو، لا تسعى الصين إلى فرض هيمنتها على الساحة الدولية أو تدمير الرأسمالية وأسلوب الحياة الأميركي. ولن تنقسم بقية دول العالم بين المعسكرَين الأميركي والصيني.

يثبت هذا الانقسام في المواقف أن اقتناع أي معسكر باقتراب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين يتوقف على اختيار التعريف المناسب لهذا المصطلح. تبقى الحرب الباردة بين الأميركيين والسوفيات السابقة التاريخية الوحيدة حتى الآن للأسف، وقد أثّرت جوانبها الاستثنائية والتراكمية على هذا المفهوم. لكن يجب ألا ينحصر تعريفه في هذا الإطار. كان الصحافي جورج أورويل الذي اخترع مصطلح "الحرب الباردة" في تشرين الأول 1945، قبل أن تتّضح معالم الصراع الأميركي السوفياتي، يعتبر هذا المفهوم مرادفاً لعبارة "سلام لا يشبه السلام"، ما يعني نشوء حالة من العداء لكن من دون اندلاع صراع مسلّح.

يبدو أن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة تتطابق مع هذا الوصف اليوم. قد لا تسعى بكين إلى الهيمنة على العالم أو استئصال الديموقراطية أو تدمير الرأسمالية، لكنها تحاول اكتساب شرعية دولية لنموذج "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". كذلك، تسعى الصين إلى زيادة ثرواتها وقوتها ونفوذها نسبةً إلى واشنطن، لأن الولايات المتحدة لطالما اعتُبِرت المعيار العالمي للثروة والقوة والنفوذ. تظن بكين أن واشنطن تبنّت سياسة احتواء حقيقية لمقاومة زيادة النفوذ الصيني. هذا ما يدفع القادة الصينيين إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على كبح الطموحات الصينية. في غضون ذلك، يريد القادة الصينيون استغلال الشرخ القائم بين الولايات المتحدة ودول أخرى كي لا تتعاون هذه الأخيرة مع واشنطن.

يزداد الوضع سوءاً بسبب غياب أي شكل من التعاطف الاستراتيجي في المعسكرَين. يبدو أن بكين وواشنطن تعجزان عن فهم وجهة نظر الطرف الآخر أو توقّع ردود الأفعال على التحركات المرتقبة. اتّضحت هذه الحقيقة في التبادلات الديبلوماسية الأخيرة حيث تكلم كل فريق عن مواضيع مختلفة وهاجم كلام الطرف الآخر. من الطبيعي أن يؤجج غياب التفاهم والثقة المتبادلة المعضلة الأمنية الكامنة ويدفع كل طرف إلى إساءة فهم الدوافع والنوايا الاستراتيجية لدى الطرف الآخر.

يتفاقم هذا الشرخ بدرجة إضافية لأن كل طرف مقتنع على ما يبدو بأنه متفوّق في هذه المنافسة. أكدت واشنطن على أنها ستتعامل مع الصين "من موقع قوة"، ورفض القادة الصينيون من جهتهم هذا الموقف صراحةً. كذلك، يبدو أن بكين مقتنعة بأن الصعود الصيني والتراجع الأميركي وصلا إلى نقطة مفصلية، حيث أصبحت الصين الآن في وضعٍ يسمح لها بمقاومة الضغوط الأميركية وفرض شروطها الخاصة في هذه العلاقة. بعبارة أخرى، من الواضح أن الطرفَين يبالغان في تقدير قوتهما ويستخفان بنقاط ضعفهما.

كلاهما مخطئ! يُعتبر الطرفان ضعيفَين في العمق. وراء التبجح الظاهري، يواجه المعسكران ذلك الضعف داخلياً بطرقٍ تزيد احتمال اندلاع حرب باردة حقيقية بينهما (بحسب تعريف أورويل). كما أن الوضع السياسي المحلي في الولايات المتحدة والصين يدفع البلدَين نحو مقاربة صدامية "لا غالـب فيها ولا مغلوب".

على الجانب الأميركي، ينجم جزء من القناعة القائلة إن الصين تطرح تهديداً مشابهاً للخطر السوفياتي على الولايات المتحدة عن الاختلالات السياسية والانقسامات والضائقة الاقتصادية التي بدأت تتطور منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها تفاقمت نتيجة تداعيات عهد الرئيس دونالد ترامب وأزمة كورونا. كما كان متوقعاً، أدت هذه الظروف إلى نشوء شكلٍ من الهشاشة الوطنية التي أنتجت بدورها مفاهيم مبالغاً فيها عن التهديدات الخارجية، لا سيما تلك المرتبطة بالصين. بالإضافة إلى لوم الممارسات التجارية الصينية على الانتكاسات أو زيادة نقاط الضعف في الاقتصاد الأميركي، تُعتبر العمليات الصينية الخارجية المؤثرة تهديداً على الديموقراطية الأميركية، وتطرح مساحة تلك العمليات وقدراتها السيبرانية خطراً على الأمن الأميركي. تشكّل هذه التكتيكات والأدوات الصينية تحديات حقيقية وجوهرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لكن يبالغ الكثيرون في تقدير المخاطر التي تطرحها على أسلوب الحياة الأميركي.

في مطلق الأحوال، يبدو أن إدارة بايدن تعجز عن طرح تقييم حيادي ومبني على التجارب والأدلة لتحليل التحديات التي تطرحها الصين لأن هذا النهج قد يدفع الجمهوريين، وحتى بعض الديموقراطيين، إلى اعتبار هذه الإدارة الأميركية متساهلة مع تهديدات الصين. كذلك، يبدو الانقسام الحزبي متكافئاً ومتوازناً على نحو دقيق وسط الرأي العام والكونغرس معاً لدرجة ألا يميل بايدن أو أي رئيس جمهوري محتمل إلى المجازفة بمنح الحزب المعارِض هذا النوع من الأفضلية. اتّضح هذا الموقف أصلاً في عجز بايدن أو عدم استعداده للتراجع عن جزء من مواقف ترامب المبالغ فيها حول الصين. ولهذه الأسباب أيضاً، لن يميل بايدن إلى الاعتراف صراحةً بالتراجع الاستراتيجي النسبي للولايات المتحدة (وتداعيات الاضطرابات المحلية على مصداقية البلد خارجياً) لأن هذا الاعتراف يفرض تواصلاً بنّاءً مع الصين. بل إنه أصرّ على شعار "الولايات المتحدة عادت إلى الساحة"، وأكّد على المنافسة الإيديولوجية مع الصين للاختيار بين الديموقراطية والاستبداد وعلى أهمية منافسة بكين بدل التعاون معها.

على الجانب الصيني، يستند جزء من القناعة القائلة إن الولايات المتحدة تطرح تهديداً وجودياً على الصين إلى مواقف سياسية أميركية أيدت على مر السنين تغيير النظام في بكين، صراحةً أو ضمناً. أدت هذه المواقف إلى ترسيخ المخاوف المشروعة لدى قادة الحزب الشيوعي الصيني، لا سيما تلك المرتبطة بتوسّع الاضطرابات المحلية بتحريضٍ من جهات خارجية. لكن تنجم الآراء السلبية التي يحملها الرأي العام الصيني تجاه الولايات المتحدة أيضاً عن تاريخ حافل بالانتهاكات الأجنبية للسيادة الصينية، حيث أدت الولايات المتحدة دوراً مؤثراً منذ حقبةٍ تسبق عهد الحزب الشيوعي الصيني، ولا ننسى تأثير التحركات الأميركية الدولية المتغطرسة في العقود الأخيرة. لا تكفّ الحملات الدعائية التي يطلقها الحزب الشيوعي الصيني عن استعمال هذه المفاهيم لصالحه، لكنها تحمل جزءاً من الحقائق التاريخية.

في ظل هذه الظروف، لن يميل الرئيس شي جين بينغ وزملاؤه في قيادة الحزب الشيوعي الصيني إلى إطلاق مقاربة تكيّفية تجاه الولايات المتحدة. هم لن يتحمّلوا أن يعتبرهم الشعب الصيني متساهلين مع التهديدات الأميركية. كذلك، لن يتخلى هؤلاء القادة عن صعود الصين وسعيها إلى اكتساب مكانة عالمية ونفوذ دولي لأن هذا الشرط كان أساسياً طوال 150 سنة. يظن الصينيون أن الوقت حان كي تفرض الصين نفسها كقوة عظمى ولن يسمحوا للولايات المتحدة بمنعهم من تحقيق هذا الهدف. اتّضحت هذه العقلية في ديبلوماسية "الذئب المحارب" الصينية، وبرزت خصائصها بشكلٍ أساسي في ديبلوماسية البلد المحورية وخطابات شي جين بينغ وقادة صينيين آخرين وكتاباتهم عن تقدّم الصين وتحوّلها إلى محور شؤون العالم، بما يتماشى مع ثرواتها وقوتها في القرن الواحد والعشرين.

تكمن المفارقة في ميل الفريقَين إلى تبنّي مواقف تنم عن أعلى درجات الغطرسة وانعدام الأمان بدل اللجوء إلى مقاربة منطقية ومدروسة للتعامل مع هذه العلاقة الثنائية. من الواضح أنهما يفضلان منطق "لا غالب ولا مغلوب" والارتياب الاستراتيجي. يحمل كل طرف مفهوماً مبالغاً فيه حول تفوّقه المادي (وحتى الأخلاقي) على الطرف الآخر، ما يعيق أي محاولة تسوية في المسائل المهمة أو أي مقاربة متبادلة وصادقة لتوجيه طريقة التعامل بينهما. في الوقت نفسه، يواجه الطرفان تحديات داخلية شائكة وذاتية الصنع: بدأت الديموقراطية الأميركية تتآكل، وأصبحت "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" هشة جداً على الأرجح. مع ذلك، من الأسهل على واشنطن وبكين على ما يبدو أن تتبادلا اللوم على مشاكلهما أو تُحوّلا الأنظار عنهما على الأقل مقابل التركيز على "التهديد" الخارجي المزعوم بدل مواجهة تلك المشاكل وتجاوزها. هذا الوضع كفيل بترسيخ معنى التهديدات المبالغ فيه، ما يمنع كل طرف من تقييم نفسه وتحسين وضعه.

ما هي النتائج المتوقعة من هذا الوضع إذاً؟ قد تنشأ منافسة مبنية على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب" ظاهرياً سعياً وراء الثروات والنفوذ بين أكبر قوتَين في العالم حيث تتعارض الأنظمة السياسية والاقتصادية السائدة ويسعى الطرفان إلى كسب الدعم الدولي لتلك الأنظمة. كذلك، تضمن الديناميات السياسية الداخلية في البلدَين ألا تجرّب بكين أو واشنطن مقاربة تكيفية أو أكثر منطقية تجاه الطرف الآخر بما يفوق المقاربة الراهنة. تُعتبر التنازلات محفوفة بالمخاطر دوماً ولا يمكنها أن تستمر من الناحية السياسية، ويُعتبر التفاهم والثقة المتبادلة نهجاً عقيماً أو وهمياً. لهذا السبب، من المتوقع أن يُركّز الطرفان في المقام الأول على التفوق من الناحية الاستراتيجية والبنيوية والتنافسية. لكنهما سيبذلان قصارى جهدهما على الأقل لتجنب اندلاع أي صراع عسكري مباشر لأنهما يدركان التكاليف الكارثية المحتملة لهذا الصراع، ولا يثق أيٌّ منهما بقدرته على تحقيق النصر.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.