عيسى مخلوف

وَقفَة من باريس

"وهل تكلّمتُ اليوم في موضوع آخر غير الدين؟"

5 تشرين الأول 2019

04 : 57


منذ البداية، سلك جبران طريقاً جديدة في الكتابة ومرجعيّته لم تكن في الماضي. هذه الرؤية تجلّت في استهلاله لكتاب "النبي"، وتعريفه المصطفى، المختار الحبيب، بأنّه "كان فجراً لذاته". في موازاة ذلك، تناول جبران، بصفته أحد روّاد النهضة الإصلاحيين، مسائل عدّة جاء في مقدّمها الدين والمرأة واللغة. ونتوقّف هنا عند رأيه في الدين. صحيح أنّ رفض جبران في كتاباته، وخصوصاً في المرحلة الأولى ("عرائس المروج"، "الأرواح المتمرّدة"، "الأجنحة المتكسّرة"، "العواصف")، هو رفض يصدر عن نزعة رومنطيقيّة، وصحيح أنّ هذا الرفض بدا طوباويّاً ومثاليّاً لأنّه توقّف عند الظواهر الاجتماعيّة وتجاهل أسبابها العميقة، غير أنّه كان ينتصر بوضوح للقضايا العادلة ويقف ضدّ أشكال التسلّط والاستبداد، ويدين التفاوت الاجتماعي.

عبَّر جبران عن رفضه للبنى السياسية والفكرية التي كانت سائدة في المرحلة الممتدّة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مرحلة نهاية السيطرة العثمانية. وانتقد توظيف الدين من أجل غايات خاصّة، وهذا ما أفصح عنه بقوله: "لقد أقاموا يا يسوع لمجد أسمائهم كنائس ومعابد كسوها بالحرير المنسوج والذهب المذوَّب، وتركوا أجساد مختاريك الفقراء عارية في الأزقّة الباردة". وذهب أبعد من ذلك فتحدّث عن جشع رجال الدين وتسلّطهم، وهذا ما يطالعنا في عدد من قصصه القصيرة، ومنها "يوحنّا المجنون" و"خليل الكافر". في القصة الأولى، يصف الرهبان "مثل غربان جائعة في أقفاص ضيّقة يرتجفون غضباً وأسنانهم تصرّ بشدّة مترقّبين من رئيسهم الإشارة ليمزّقوا يوحنّا تمزيقاً ويسحقوه سحقاً".

في "خليل الكافر" أيضاً، يثور جبران ضدّ الاقطاعية السياسية المتمثّلة في الشيخ عبّاس، كما يثور ضدّ الاقطاعية الإكليريكيّة، وهذا ما يفسّر كيف أنّ "الشيخ عبّاس الذي كان والياً وحاكماً وأميراً كان محباً لرهبان الدير، محافظاً على تقاليدهم وتعاليمهم لأنّهم كانوا يشاركونه في قتل المعرفة وإحياء الطاعة في نفوس حارثي حقوله وكرومه".

بهذه اللغة الغاضبة والناقمة، أشار جبران إلى التفاوت الهائل بين تعاليم المسيح والمبشّرين بهذه التعاليم. ولاحظ الترابط القائم بين السلطتين المدنيّة والدينيّة، فنبذ النظام الاقطاعي الذي ازدادت حدّته مع الحرب العالميّة الأولى، وأدّى إلى مزيد من الفقر والجوع والهجرة. ومن خلال انتقاده هاتين السلطتين، انتقد جبران الطائفيّة التي حالت دون تطوّر البُنى الاجتماعية، وكشف كيف تستفيد الفئة المسيطرة من الشرائع وتستعملها من أجل غاياتها ومكاسبها، بعد أن تكون قد بذرت بذور الشقاق بين أبناء الوطن الواحد المنتمين إلى طوائف عدّة.


في هذا السياق، تبلورت أفكار جبران حول الدين. ففي كتابه "النبي"، وبعد أن تحدّث المصطفى عن المحبّة والزواج والأبناء والعمل والحرّيّة والألم، سأله كاهن شيخ عن الدين، فأجاب: "وهل تكلّمتُ اليوم في موضوع آخر غير الدين؟ أليس الدين كلّ ما في الحياة من الأعمال والتأمّلات؟". فالدين، هنا، يُطرح بمعنى المحبّة والتسامي لا بمعنى الظلم والاستعباد. بمعنى الحركة واحترام الآخر لا بمعنى الجمود وتبرير الظلم. فالانتماءات الدينيّة، مهما اختلفت وتباينت، بحسب رأيه، هدفها في النهاية واحد.

بِنَفَس إنجيلي أيضاً، عبّر جبران في كتابه "النبي" عن معنى الحبّ: "ما هو العمل المقرون بالمحبّة؟ هو أن تحوك الرداء بخيوط مسحوبة من نسيج قلبك كأنما حبيبك يرتديه. هو أن تبني البيت بحجارة مقطوعة من مقلع حنانك وإخلاصك كأنما هو مسكن لحبيبك. هو أن تبذر البذور بدقّة وعناية، وتجمع الحصاد بفرح ولذّة كأنّما تجمعه لكي يقدّم على مائدة حبيبك". ضمن هذا التصوُّر، يمكن أن نفهم موقف جبران من المسيح. فشخصيّة المسيح هي أحد المواضيع التي شغلته في مجمل كتاباته، خصوصاً في كتابه "يسوع ابن الانسان". مسيح جبران خرج من مسيحيّة الكنيسة ليعانق مسيحيّة إنسانيّة لا عقائديّة. وفق هذا المنطق أيضاً، يمكن أن نفهم نزوع جبران نحو وحدة الأديان، إذ ليس بالإمكان بلوغ هذه الوحدة إذا لم يكن الدين، كما وعاه جبران وكما عبّر عنه، سامياً ومنفتحاً ومتجاوزاً الحدود. كم يبدو مهمّاً اليوم الالتفات إلى التجربة التي جسّدها جبران وروّاد النهضة على العموم، فهذه التجربة لا تزال حيّة وتشكّل في أفكارها وتطلّعاتها ردّاً على عصر التطرّف والظلامية الذي يجتاح المنطقة العربية، وردّاً على استمرار الاستبداد والقمع، وارتفاع نسبة الأمّيّة والبطالة، والتطرّف الديني، والنظرة المتخلّفة إلى المرأة، وتقلُّص فضاء الحرية، والحروب الأهليّة التي لا تنتهي. ويأتي هذا التراجع العامّ امتداداً لظروف داخلية وخارجية على السواء، وانعكاساً للحظة انهيار تاريخي مُريع.

* بدعوة من "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية، بالتعاون مع "كرسي جبران" في جامعة ميريلد الأميركية، أقيم المؤتمر الدولي الخامس عن جبران في الثالث من هذا الشهر في "معهد العالم العربي" في باريس. المشاركون: هنري زغيب، مي الريحاني، ألكسندر نجّار، دانيال لارانجيه، جاد حاتم، الأب خليل شلفون، بطرس حلاّق، عيسى مخلوف، إليزابيت سايلور، مريم بوغاشيش، عبدالله نعمان، جان بيار دحداح، فرنشِسكو ميديتشي وكاتلين تواين.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.