رفيق خوري

لبنان والعراق: الأزمات إلى أين؟

3 دقائق للقراءة

لبنان رائد على الطريق الذي يسلكه العراق منذ الغزو الأميركي. لا فقط بالنسبة إلى تنظيم الطائفية السياسية بل أيضاً بالنسبة إلى مبادرات عابرة للطوائف تحتج عليها وترفع شعارات وطنية وإجتماعية. لكن ما كشفته الحروب والأزمات المصحوبة بالعصبيات الطائفية والمذهبية هو أن العالم العربي وكل دول المنطقة "لبنان مستتر". وإذا كانت أزمات لبنان أعمق من أزمات العراق، فإن الحراك الشعبي هناك أشمل من الحراك الشعبي هنا. وما يرافق عنف السلطة ضد المتظاهرين هو دائماً الحديث عن "يد خفية" تحركهم، وادعاء كل من في السلطة وخارجها أنهم ضد استخدام العنف، والوعد بالبحث عن حلول للمشاكل المطروحة. وهذا مجرد شراء وقت إن لم يكن خداعاً.

وليس الفشل في لبنان سوى وصفة للفشل في العراق. وعلى الرغم من اختلاف التاريخ والجغرافيا والثروات الطبيعية والدور، فإن أوضاع البلدين تتشابه في أمور كثيرة: محاصصة طائفية في السلطة بين قادة "العائلات الروحية" هنا و"المكونات" هناك تحت عنوان الوحدة الوطنية. تسويات سياسية تتبدل حسب المصالح ويتم أحياناً إفراغها من محتواها والإبقاء على الشكل. خلل في الوزن والتوازن بين القوى المحلية ضمن نوع من الغلبة. صراع أميركي-إيراني على النفوذ. ميليشيات مذهبية مسلحة لضمان ما سماه المرشد الأعلى علي خامنئي في مخاطبته لكوادر الحرس الثوري "العمق الإستراتيجي" لإيران الذي "لا يدركه الذين رددوا شعار: لا غزة ولا لبنان". ومرجعيات دينية تتدخل في السياسة بقرارات المجالس المذهبية أو بالفتاوى.

وأقل ما تنتجه هذه الأوضاع هو الأزمات. أزمات وطنية وسياسية واقتصادية ومالية واجتماعية. كثير من الفقر الثقافي والفكري بعدما صارت أيام الإبداع والصراعات الفكرية حول الحاضر والمستقبل من الماضي الذي بدأنا نسميه "الماضي الجميل". بؤس تحت خط الفقر لقسم كبير من السكان في مواجهة السرقة والهدر والرشاوى والصفقات التي تصنع من المحظوظين أثرياء وتزيد الأغنياء غنى. وعجز عن "بناء الأمم"، بحيث تأكل السلطة الدولة، ويزداد إغراء الإنزلاق نحو تقليد نموذج "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984".

وما يحدث عملياً، وسط أكبر قدر من مشاريع الإصلاح، هو التركيز على إجراء تصحيح في آلية عمل السلطة. لكن المشكلة أن آلة السلطة معطوبة، بحيث يبدو تصحيح آلية العمل تمارين في العبث. والأخطر هو إغلاق الطريق على التغيير الجذري كأن نظام المحاصصة الطائفية هو القضاء والقدر.