بكّر عبد الستار اللاز في المغادرة وغلبه المرض الذي عانى منه في قصور الرئتين ولم يقوَ قلبه عليه.
ولرحيله رمزية جيل من الإعلاميين الذين كان دائم التوق إلى العمل معهم. فهو كان محظوظاً بأن يتكوّن على مبادئ المهنة المتعبة ومعاييرها الأصلية الصارمة، لأنه وأقرانه من ذلك الرعيل الذي صنع خبرته وعلمه قبل الحرب الأهلية اللبنانية التي خرّبت، بين ما خرّبته، مقاييس العمل الصحافي المحترف. هذا الجيل عجنته الحرب وصقلته أكثر واستطاع على الرغم من مناخها الاستقطابي بكل أنواعه، الاحتفاظ بما هو أكثر من الحد الأدنى من المهنية التي أسقطت بعضها أحياناً والكثير منها أحياناً أخرى عند الجيل الذي ترعرع في صراعات ما بعد الحرب العبثية.
ولوج المهنة قبل الحرب الأهلية خفف من الأضرار التي تصيب من دخلها في خضمها، إلى درجة قال بعضهم إن جيل ما قبل الحرب هو آخر أجيال عايشت جهابذة هذا القطاع الذي أنتج أسماءً لامعة، دخلت عالم السياسة والديبلوماسية والكتابة.
فالإعلام اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب، سقط في العديد من السقطات جراء الاستقطاب الطائفي والسياسي الحاد، وصعود الولاءات الخارجية المتطلِّبة، ونتيجة تفريخ المؤسسات الهادفة إلى خدمة الهدف السياسي والاستخباراتي، قبل اعتماد مقاييس الخدمة المهنية. والزملاء الذين نجوا من آفاتها يُحسب لهم أنهم تمكنوا من ذلك. وبعضهم عمل على تصحيح ما اعترى المسيرة من تلك السقطات.
كان عبد الستار اللاز من جيل ما قبل الحرب، الذي عانى ويلاتها ومآسيها وتأقلم حياتياً معها، لكنه بقي مصراً على الاحتفاظ بمستوى لائق من الحرفية بعيداً من لغة فرض الجماعة، أي جماعة، رأيها وتوجهاتها.
ولربما تعبُ هذا الجيل وعصامية معظم جنوده هو الذي سهّل تغلغل الأمراض إلى جسمه. فبين من غيّبهم تعب ذلك الجسم، جورج ناصيف وقبله عصام الجردي وجوزيف سماحة وسمير سعداوي ويوسف خازم وغيرهم... ممن عرف بعضهم عبد الستار أو عمل معه.
تنقل بين جريدة "السفير" و"وكالة الصحافة الفرنسية" وفضائية "العربية" ثم تلفزيون "المستقبل" وجريدة "المستقبل" وكتب في مجلات. وبين فترة استراحة وأخرى ساعده حبه للتزود بمزيد من المعرفة التي لازمت شغفه منذ طفولته، فأصر على إتقان اللغات، وصولاً إلى تعلمه اللغة التركية في السنوات الماضية، بهدف الاطلاع أكثر على التاريخ التركي. أصدر كتاب "بدر بك دمشقية" عام 2019 عن حقبة تاريخية من العاصمة بيروت. أعانته سخريته النقدية، مع الرغبة في الاستماع على التواصل والسؤال.
تطابقت دماثة اللاز مع دماثة وأخلاق الرئيس تمام سلام وتواضعه، مع تسلمه صفة المستشار الإعلامي لإبن العائلة السياسية البيروتية العريقة.
من معايشته حقبة سلام، ترك لنا عبد الستار اللاز في كتابه "الدولة المستضعفة" عن "تجربة حكومة المصلحة الوطنية"، الذي صدر في أيلول الماضي، ما يفيدنا وبعض من هم في المسؤولية اليوم، في خضم الأزمة الراهنة بين لبنان والمملكة العربية السعودية ودول الخليج، بروايته وقائع التأزم المتراكم منذ 2015-2016، ومحاولة سلام نزع فتيله الذي أشعله انحياز "حزب الله" إلى الحوثيين في الحرب اليمنية...
استعاد الحملة التي قام بها "حزب الله" على سلام حين ألقى خطاباً في قمة شرم الشيخ العربية عام 2015، بعد الهجوم الذي شنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله على تدخل السعودية في اليمن استجابة لطلب الشرعية فيه مساندتها في وجه الهجوم الحوثي الوشيك على مدينة عدن. قال سلام في حينها ببساطة، في القمة: إن لبنان انطلاقاً من حرصه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن وعلى الإجماع العربي ووحدة البلدان العربية واستقرارها يعلن تأييده أي موقف عربي يحفظ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسك نسيجه الاجتماعي". ثار "حزب الله" ضد هذا الموقف في بيروت متهماً سلام بأنه لم يعرض هذا الموقف في مجلس الوزراء قبل الإدلاء به. وحين اجتمعت الحكومة بعدها قال سلام للوزراء إن موقفه "لم يأخذ في الاعتبار إلا مصلحة لبنان واللبنانيين... وأنه ليس بحاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به" فصفق له أكثرية الوزراء.
يروي عبد الستار لمحطات المواقف المنفردة التي كان يدلي بها وزير الخارجية جبران باسيل بالانحياز إلى المحور الإيراني والخروج عن التضامن العربي في الصراع بين إيران والدول العربية، ليستنتج أن لبنان، "بدا في سياسته الخارجية كمنزل بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كل منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء فكان دوره نزع الألغام"...