جورج بوعبدو

سمير صفير: الفنان الواثق مغامر يُنتج أغانيه بنفسه

17 تشرين الثاني 2021

02 : 00

بدأ مسيرته الفنية بأغنية "بلاش يا قلبي عذاب" من ألحانه. تأثر بعاصي الرحباني والملحن المصري بليغ حمدي منذ طفولته. ذاع صيته بألحان رائعة قدّمها لمتخرجي "ستوديو الفن". تعاون مع أهم نجوم العالم العربي ليصل رصيده الى أكثر من 600 لحن مسجلٍ باسمه. أدّى بنفسه أغنيات من ألحانه على غرار "الناس أجناس" و"الرمز اللبناني" و"هيدا قانونك" و"زلزال". تاه عن الفنّ في دهاليز السياسة لفترة ليعود إليه نادماً وعازماً على التركيز على موهبته الفذّة واسترجاع تألّقه المميّز. "نداء الوطن" إلتقت الملحن سمير صفير فدار الحوار المشوّق التالي.

برزتَ في أغانٍ ثورية كثيرة. ماذا كنت تتمنى أن تغيّر من خلالها؟

يمرّ لبنان بأزمة منذ حوالى اثنتي عشرة سنة. كانت هناك مؤشرات عدّة للفوضى على جميع الأصعدة بدءاً من الوسائل الإعلامية التي روّجت للأعمال الفنية الهابطة، مروراً بالنمط السياسي المتّبع وصولاً الى الفساد وقلّة الحياء المستشرية. هذه الأسباب كلّها جعلتني أنتفض بأغنيات على غرار: "الناس أجناس" و"الرمز اللبناني" و"هيدا قانونك" و"زلزال" وغيرها، وأردت عبرها ايقاظ ضمير الشعب في بلد يتهاوى ولكن لا حياة لمن تنادي للأسف فقد تحوّلنا الى شعبٍ فاشل في بلدٍ فاشل. بعد تاريخ حافل من العزّ والحضارة دُمّر البلد ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، حتى طبيعته سحقت بالكامل ولم يبقَ من جماله شيء على الاطلاق.

هل تتعامل مع جيلٍ جديد من الفنانين اليوم؟

عملت في بداياتي مع فنانين مغمورين تحلّوا بموهبةٍ فريدة، كعاصي الحلاني ووائل كفوري وفارس كرم ونوال الزغبي ونجوى كرم وكلودا الشمالي وزين العمر. غنى هؤلاء من ألحاني ونجحنا سوياً. وأنا مؤمن بالأجيال الجديدة التي لا بدّ من أن تحمل الشعلة وأحبّ العمل معها، وأنا قادر على مساعدتها بألحانٍ جميلة تواكب العصر. وفي حال أسهمت ألحاني في نجاح شخص مغمور وأوصلته الى الشهرة سأكون فرحاً جداً.




أين الأغنية اللبنانية اليوم من المنافسة العربية؟


لمسنا في الآونة الأخيرة تراجعاً كبيراً في الأغنية اللبنانية، إذ تنفّذ اليوم بطريقة مبتذلة كلاماً ولحناً وتوزيعاً. نفتقد الى التقنيات فالألحان متشابهة وتفتقر الى الإبتكار والجودة، ومن النادر الوقوع على شاعر يجيد الكتابة الهادفة. لم يعد الفن اللبناني جميلاً وبات محصوراً بالفولكلور والدبكة، على خلاف الفنّ الخليجي الذي سبقنا بأشواط كونه يُنفَّذ بإتقان كلاماً ولحناً. حتى الفنّ المصري الذي مرّ بصعوبات خلال الثورة عاد الى الساحة بقوّة. وبعدما كنّا روّاداً في الفن وبالصدارة عربياً لسبعين عاماً نجد أنفسنا اليوم في الحضيض ولا أدري متى يمكننا النهوض مجدداً.

وهل من خطة لتحسين واقع الأغنية اللبنانية تحديداً والعربية عموماً؟

الخطة سهلة جداً وعلى الحكومات العربية الإقرار بحقوق الملكية الفكرية بكامل بنودها، لأن العمل الإبداعي كاللحن والكلام لا يمكن تقييمه مادياً. يقسّم الفنّ الى قسمين، الأول يعزف ويغني ويرقص والثاني يكتب ويلحن ويبدع. كفل "الويبو" حقوق القسم الأول من ناحية الإنتاج وكيفية جني المال من الحفلات والمهرجانات. تكمن المشكلة في وضع الشقّ الإبداعي أي من يتقاضى أجراً "عالمقطوعة" لمرّة واحدة فقط، فيغني المطرب العمل لأعوام في الحفلات والمهرجانات ويجني أموالاً طائلة منه ولا يعود للملحن أو الكاتب شيء من الأرباح. ثمة غبن كبير يطال الملحن والمبدع في العالم العربي، لذلك نرى أن جيلاً بكامله من المبدعين، وأنا منهم، يتملكه الإحباط فيعتكف لأنه أهدر سنوات من العطاء في بلدان عربية لا تقرّ بالحقوق أو تحميها، وإذا طبقت حقوق الملكية الفكرية بشكلٍ سليم يختفي الفن المبتذل والمتعدّون على الفن.

ألا ترى أن الفنّ كلّه في أزمة حالياً؟ ماذا نفعل كي يبقى موجوداً؟

يرتكز الفن على أربعة عناصر أساسية بدءاً بالكلمة يتبعها اللّحن والتوزيع الموسيقي، من هندسة للصوت وتنفيذ وميكساج، وصولاً الى وضع الصوت على الأغنية. تساعد هذه العناصر مجتمعةً على بروز الصوت بأفضل شكل ما يستوجب دفع مبالغ مالية كبيرة تثقل كاهل الفنان، فيلجأ الى شركات الإنتاج لعدم رغبته في دفع أية تكاليف ولعدم رغبته في المغامرة ولعدم ثقته بنفسه. فالفنان الواثق هو من ينتج أغانيه بنفسه ويغامر بها مثل أي تاجر. يثابر ويتعب ليفتح متجره ليجني منه الربح في ما بعد. وما أود قوله هنا هو أنّ الفن الراقي يحتاج الى سخاء وكرم فالبخل لا ينفع معه، وهناك فنانون يملكون المال والقدرة على الإنتاج ولا يستثمرون في الأغنية متكلين على أسمائهم الكبيرة. ولا يدرك هؤلاء أنهم يؤذون أنفسهم مع مرور الوقت فلا أحد يلغي الفنان إلا هو ذاته، فمن السهــل جداً تحقيـــق النجاح ولكن الإستمرار فيه صعب للغاية.



من الفنان الذي ترغب في إعطائه لحناً وأنت متأكد من ايصاله فنّك بالشكل المطلوب؟

يتمتع فنانون كثر بالأداء والصوتٍ الجميل. لا أتوقف بالتالي عند اسم فنانٍ أو كاتب أو موزع فهذا غير مهم. كي تصل الأغنية بالشكل المطلوب لا بد من أن يملك الفنان صوتاً جميلاً والكاتب كلاماً جيداً وأن يكون الموزع موهوباً.

هل من فنان مفضّل لديــــــــك ومن الأقوى على الساحة برأيك؟

تغيّر الزمن. المدارس الفنية كمدرسة وديع الصافي وفيروز ما عادت موجودة. ما من قويّ فالفن كجاط فاكهة وكل شخص ينتقي ما يشتهيه، والعمل الجيّد يفرض نفسه من حيث اللحن والغناء والتصوير والتوقيت السليم للنشر. وباستطاعة أيّ كان شق طريقه نحو النجومية إن كان مجتهداً والقوي من يختار أغنياته بتأنٍ وذكاء. ما من وساطة في الفن برأيي فالعمل الجميل هو الفيصل ولا حاجة للإعلام المكثف لأنه سيف ذو حدّين.

هل من اغنية لحنتها هي الأقرب الى قلبك؟

لم ألحّن أغنية يوماً ووضعت اسمي عليها إلا وكانت نابعة من أعماقي وأخذَت قطعة مني، لذلك كلّ الأغنيات التي ألفتها بمثابة أولادي وأحبها كلّها على قدم المساواة.

ما رأيك بالأزمات التي نمرّ بها اليوم في لبنان؟

ما يحصل لنا اليوم أمر طبيعي. منذ نلنا الاستقلال فشلنا في بناء دولة بل ازددنا طائفية وانقساماً. أغنية "الرمز اللبناني" تتناول هذا الواقع الأليم. تحكّم بنا الفساد وأورث الفاسدون أولادهم مقاليد الحكم والسلطة من جيلٍ الى آخر، فسيطر الإقطاع ولم يعد هناك هامشٍ لحرية الإختيار ولا لإبداء الرأي فتحوّلنا الى دولةٍ ديموقراطية بالاسم فقط. كيف لقطعة أرضٍ نرمي فيها السموم والنفايات أن تُزهر وروداً جميلة وتثمر أشجارها؟ ونحن سائرون نحو مزيد من الانهيار إن لم يجتمع مثقفو لبنان حول طاولة للتحاور بعقلانيةٍ والبحث عن سبلٍ للنهوض.

كيف عشت إنفجار الرابع من آب وهل تعتقد بأنّنا سنصل الى العدالة؟


ما حصل كان مؤلماً جداً وسقط بسببه أبرياء كثر، وفقدت الناس منازلها وتدمّرت بيروت بالكامل. لا يمكن للعدالة أن تتحقق إن لم نعرف من الذي أدخل "النيترات" الى المرفأ ولماذا؟ من كان مسؤولاً إبان إدخالها الى البلد ومن الذي سمح بأن تخزّن في العاصمة ومن الذي فجّرها؟ علامات إستفهام كبيرة تلف الموضوع. لماذا لا تساعدنا الدول الغربية التي تملك أقماراً صناعية في الكشف عن الفاعل فهي تملك الصور كافة ويمكنها تزويد القضاء اللبناني بها إن أرادت. برأيي يجب فصل السلطة التشريعية والتنفيذية عن السلطة القضائية، فإن بقي القضاء مسيّساً ومعيّناً من النواب والوزراء فلن نصل الى العدالة.



يفكّر كثيرون بالهجرة بسبب انعدام الأفق ماذا عنك؟


التفكير بالهجرة طبيعي في بلدٍ كلبنان خصوصاً لمن لديهم مؤهلات تسمح لهم بالبدء من الصفر في أيّ بلدٍ آخر. ولنكن صريحين: لا أحد يقبل البقاء في بلد يفتقر الى مقوّمات العيش وينعدم فيه الأمن والأمان والحكم العادل، وتصادر فيه أموال المودعين في البنوك. والمصيبة الكبرى لمن لا يستطيع السفر فيشهد الانهيار وهو لا حول له ولا قوة. بالنسبة إليّ شخصياً قسم من عائلتي في فرنسا وقسم آخر في أميركا. ينصحني هؤلاء دوماً بمغادرة لبنان لكنني أجاوبهم دوماً بأنني فنان لبناني وعربي وهنا عملتُ وبنيت ولن أرحل عن وطني.

متى نراك في أعمال جديدة؟


أنا عازم على الانطلاق مجدداً في عالم الفن. لقد تركت الغوص في السياسة نهائياً، إذ كنت في دوامةٍ غير مجدية مثل "الحوار البيزنطي". لا أتابع الأخبار اليوم كي لا أزعج نفسيتي. عاودت التعامل مع فريق العمل الذي عملت معه لثلاثين عاماً طالباً من الله أن يلهمني لأعطي أعمالاً فنية جميلة.

ما النصيحة التي تقدمها لفناني اليوم؟

على فنان اليوم أن يكون صادقاً ومؤمناً بنفسه وسخياً على فنّه. درب الفن طويلة وبحاجةٍ الى مثابرةٍ وصبر كبير. ولكلّ فنانٍ أقول: "قل لي ماذا تغني أقل لك من أنت والى أين تتجه". إذا كان صادقاً ومحترماً لنفسه يبادله الجمهور بالمثل. والى المتواجدين على الساحة اليوم أقول: "لا تظنوا انكم متربّعون على العرش ولا شيء يهزّكم، صدقوني كان غيركم أشطر وكلّ الملايين اللي عندكون اياها على السوشيل ميديا بتختفي بليلة ما فيها ضوّ قمر".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.