إيمي فيلدمان

رئيس "مودرنا" نوبار أفيان يعيد ابتكار مفهوم الريادة العلمية

24 تشرين الثاني 2021

المصدر: Forbes

02 : 00

أسّس نوبار أفيان سبعين شركة عبر تشجيع الباحثين على التساؤل حول ما يحصل إذا تحققت أكثر أفكارهم جنوناً. بفضل رساميل تصل قيمتها إلى 17 مليار دولار ونموذج "ريادة الأعمال الموازية"، يمكنه أن يموّل عدداً كبيراً من المفاهيم الجامحة...

يقول نوبار أفيان، مؤسس شركة الاستثمارات Flagship Pioneering ورئيس شركة "مودرنا": "أنا أقول كلاماً غير منطقي وجنوني طوال الوقت"! لقد سأل الباحثين في فريقه يوماً: ماذا لو ساهمت الكائنات الدقيقة المقيمة في أمعائنا في شفائنا من السرطان؟ وماذا لو تمكنت خلايا الدم الحمراء من نقل الأدوية إلى جانب الأكسيجين؟ وماذا لو لم تكن جميع الفيروسات سيئة؟ حتى أنه سأل منذ عشر سنوات: ماذا لو أصبح الحمض النووي الريبي المرسال أساس العلاجات المرتقبة؟

يتذكر المدير التنفيذي لشركة "مودرنا"، ستيفان بانسل، أولى محادثاته مع أفيان حول هذا الموضوع في العام 2011، فقد قال له حينها: "أنت مجنون. لن يتحقق شيء مما تتوقعه". لكن سرعان ما نجح أفيان، المهاجر الأرمني الذي تنقّل بين لبنان وكندا، في إقناع بانسل، الرئيس التنفيذي السابق لشركة التشخيص الفرنسية BioMérieux، بالانضمام إلى "مودرنا". يقول بانسل: "لم يكن نوبار العبقري يحاول إدخال هذه الفكرة إلى عقلي، بل أراد أن يقنعني بأن هذا المشروع سيغيّر العالم، وأظن أن هذه التجربة تستحق المجازفة".

بفضل لقاح كورونا المبني على الحمض النووي الريبي المرسال، أصبحت شركة "مودرنا" اليوم معروفة عالمياً، وتصل عائداتها خلال 12 شهراً إلى 11 مليار دولار، وتقترب قيمتها السوقية من 100 مليار دولار. يُعتبر أفيان (59 عاماً) واحداً من خمسة مليارديرات على صلة بالشركة، وتصل قيمة ثروته إلى 2.9 مليار دولار. لكنه يأمل في ألا يكون نجاح "مودرنا" الهائل عابراً، بل يتمنى أن تصبح واحدة من عشرات الشركات المستعدة للاتكال على الأبحاث التي تجريها شركته Flagship في "كامبريدج" في آخر عقدَين.

منذ إطلاق شركة Flagship، ساهم أفيان في تأسيس حوالى 70 شركة أخرى. نشأت كل واحدة منها على شكل فكرة بسيطة في أحد المختبرات. حين يتبيّن أن هذه الفكرة واعدة بما يكفي، تقوم الشركة بالاستثمار فيها، فتصبح فرعاً متكاملاً لها لفترة من الزمن. تستفيد أفضل الفروع في نهاية المطاف من مستثمرين خارجيين قبل أن تصبح جاهزة للطرح العام الأولي. حتى الآن، أنهت 30 شركة هذه العملية كلها، لكن لا تزال "مودرنا" الأكبر بينها.

يسمّي أفيان نموذجه "الريادة الموازية"، ما يعني أنه يريد تأسيس شركات عدة دفعةً واحدة، وقد يتراوح عددها بين ست وثماني شركات. بين العامين 2000 و2005، بدأت شركة Flagship تنشئ ما معدّله شركتَين في السنة. وبحلول العام 2020، ضاعفت الشركة إيقاعها وباتت تؤسّس خمس شركات ناشئة سنوياً.

تزامناً مع توسّع Flagship، استعان أفيان بمجموعة من المدراء التنفيذيين البارعين لمساعدته على تنفيذ مشاريعه، فأصبحوا شركاء له ورؤساء تنفيذيين للشركات الناشئة الجديدة. لكنه يحب التدخل في كل شيء حتى الآن. هو لا يزال رئيس "مودرنا" اليوم، ويبقى جزءاً من مجالس إدارة ست شركات أخرى.

على غرار عدد كبير من الأرمن، تنقلت عائلة نوبار أفيان بين بلد وآخر وحاولت إيجاد ملجأ آمن لها. في زمن الإبادة الأرمنية بين العامين 1915 و1916، حيث قُتِل حوالى 1.2 مليون أرمني مسيحي من المقيمين في السلطنة العثمانية، جرت محاولات لترحيل جد أفيان وعم والده مرتَين. في المرة الثانية، لاحظ ضباط ألمان كانوا مسؤولين عن عمليات الترحيل أن جدّه له عينان زرقاوان وأنه يجيد اللغة الألمانية، فساعدوهما على النجاة.

ثم هرب جدّه إلى بلغاريا حيث وُلِد أبوه. وبعد مرور سنوات، حين استولى النظام الشيوعي على بلغاريا، هاجرت عائلة أفيان مجدداً وهربت إلى اليونان قبل أن تستقر في لبنان في بداية الخمسينات. يقول أفيان: "عاش والدي حياة مشابهة لتلك التي أعيشها اليوم. لم يكن ينتمي إلى ذلك البلد ولطالما شعر بأنه مضطر لإثبات نفسه". أمضى أفيان طفولته في بيروت حتى آب 1975، ثم هرب من الحرب الأهلية اللبنانية مع والديه وشقيقَيه الكبيرين حين كان في عمر الثالثة عشرة، فوصلت العائلة هذه المرة إلى كندا.

بعد دراسة الهندسة الكيماوية في جامعة "ماكجيل"، نال أفيان شهادة دكتوراه في الهندسة البيوكيماوية من "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" في العام 1987.

وفي العام 1989، أسس أفيان شركة PerSeptive Biosystems لتصنيع الأدوات التي تستعملها شركات التكنولوجيا الحيوية في "فرامنغهام"، ماساتشوستس.

طوّرت هذه الشركة تكنولوجيا رائدة في مجال تحليل البروتينات وحصدت عائدات بقيمة 100 مليون دولار قبل أن يبيعها أفيان إلى مجموعة Perkin-Elmer المتخصصة بالأدوات العلمية مقابل 360 مليون دولار في العام 1998.

ثم أسّس أفيان الشركة التي سبقت Flagship Pioneering في العام 1999 واستقر في منطقة مخصصة لمكاتب الشركات في ضواحي "كامبريدج".

أصبح أفيان مواطناً أميركياً في العام 2008، وهو يعتبر تجربته كمهاجر السبب الكامن وراء استعداده لأخذ المجازفات والسير عكس التيار.

عند تأسيس شركة Flagship قبل عشرين سنة، لم تكن التكنولوجيا الحيوية شائعة، وكانت "شركات المنصات" التي تعمل على تطوير مفاهيم مثل الحمض النووي الريبي المرسال بدل التركيز على دواء محدد الأقل شعبية.

لكن لم يهتم أفيان بآراء الآخرين. بل إنه ابتكر مع مرور الوقت بنية لمناقشة كيفية تأسيس شركات جديدة، فبدأ بطرح أسئلة "ماذا لو...". تقضي مقاربة أفيان برسم دائرة حول الكيانات القائمة راهناً ثم رسم دائرة أكبر حجماً حول الكيانات المجاورة لها. برأيه، تعكس المساحات الواقعة خارج هذه الدوائر المجالات التي يعتبرها الناس متهورة ومحفوفة بالمخاطر.

لكن يعتبر أفيان تلك المنطقة المتهورة المساحة المفضلة لديه لأنها تسمح بتحقيق أكبر الإنجازات. في الوقت نفسه، تُستعمَل بنية معينة لتحديد طريقة تقييم عشرات الأفكار في شركة Flagship، ما يُمهّد لقبول البعض ورفض البعض الآخر. يعتبر أفيان هذه العملية "داروينية". حين يستكشف الباحثون في الشركة الأفكار المطروحة، قد يغيرون مقاربتهم، أو حتى المشاريع التي يعملون عليها، من دون مراعاة نظرة العالم الخارجي إلى هذه التقلبات المتواصلة. يقول أفيان إنهم يطبقون عملية تطورية بكل بساطة.

أدى جزء من المشاريع المرتبطة بمجال "الميكروبيوم" إلى تكثيف الأبحاث الجديدة حول الفيروسات، فقد تساءل أفيان وفريقه عن وجود فيروسات لا تُسبب الأمراض في أجسامنا. يسأل أفيان: "كيف يُعقَل أن يكون عدد الميكروبات المفيدة كبيراً لهذه الدرجة، بينما تخلو أجسامنا من الفيروسات المفيدة"؟

سيكون الجواب على هذا السؤال مهماً لأن الخيارات المطروحة في مجال العلاج الجيني تُعطى عبر الفيروسات التي تحمل جوانب سلبية. تساءل أفيان أيضاً عن قدرة فيروس آمن على استبدال الفيروسات التي تضطلع بهذا الدور راهناً. حين كان الباحثون في شركة Flagship يدرسون هذه المسألة، اكتشفوا عائلة من الفيروسات التي تُعرَف باسم "أنيلوفيروس"، وهي تعيش داخل جسم الإنسان لكن يتجاهلها الباحثون عموماً لأنها ليست ضارة. سرعان ما عُرِف هذا البحث باسم الفكرة رقم FL46 في مختبرات الشركة، ثم انطلق هذا المشروع تحت اسم Ring Therapeutics في العام 2017. في شهر تموز، جمع هذا المشروع 117 مليون دولار وجذب عدداً كبيراً من المستثمرين، منهم شركة T. Rowe Price.

لكن لا تكون جميع المشاريع سلسة لهذه الدرجة طبعاً. اضطرت Flagship لإغلاق أربع شركات استثمرت فيها 10 ملايين دولار أو أكثر، فضلاً عن 12 شركة مبتدئة حيث استثمرت أقل من ذلك المبلغ. في شهر نيسان الماضي مثلاً، أقفلت شركة Ohana Biosciences المتخصصة بحالات العقم بناءً على علاجات قائمة على الحيوانات المنوية أبوابها، وسرّحت معظم موظفيها بعد أكثر من سنــة بقليل على الإعلان عن تأسيس الشركة.

فشلت رهانات أكبر حجماً أيضاً. تأسست شركة Indigo Agriculture في العام 2013، وكانت تهدف إلى استعمال الميكروبات لزيادة إنتاجية البذور. جمعت هذه الشركة 1.1 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة إلى الشركات الزراعية الناشئة، لكنها وجدت صعوبة في تفعيل عملياتها. في أيلول 2020 استلم رون هوفسبيان إدارتها التنفيذية، علماً أنه الرئيس التنفيذي السابق لشركة البرمجيات Novell التي انضمت إلى Flagship كشريكة تنفيذية قبل سنتين. يعمل هوفسبيان منذ ذلك الحين على تجديد الشركة، وقد صمّم استراتيجية لبيع المنتجات مباشرةً إلى المزارعين، ما ينعكس إيجاباً على الشراكات مع الموزعين الزراعيين. يقول هوفسبيان: "إذا أردنا تحقيق هذه الرؤية، فيجب أن نصل إلى الثقل المطلوب".

يُعتبر معيار "الثقل" مهماً أيضاً بالنسبة إلى Repertoire Immune Medicines التابعة لشركة Flagship والخاضعة لإدارة جون كوكس، وهو خبير في مجال التكنولوجيا الحيوية سبق وأشرف على شركة Bioverativ تزامناً مع بيعها إلى Sanofi مقابل 11.6 مليار دولار. تعمل شركة Repertoire اليوم على فهم الآليات الداخلية لجهاز المناعة، وهي تُركّز على الخلايا التائية: إنه نوع من خلايا الدم البيضاء التي تسهم في حماية الجسم من العدوى. يوضح كوكس: "يرتبط السبب الكامن وراء معظم أمراض المناعة الذاتية باختلال سلوك الخلايا التائية. إذا تمكّنا من فهم السبب الذي يجعل الخلايا التائية تُسبب إصابات دماغية وتُمهد لنشوء التصلب المتعدد، قد ننجح في تصميم الأدوية المناعية المناسبة لمعالجة هذا المرض بدل تثبيط الاستجابة المناعية بكل بساطة".

من الطبيعي أن يعتبر أفيان هذه الفكرة مبهرة. جمعت شركة Repertoire حتى الآن أكثر من 350 مليون دولار من المستثمرين، منهم SoftBank وAlaska Permanent Fund، لمتابعة هذا المشروع. وعلى غرار فروع أخرى لشركة Flagship، تدخل هذه الجهات أيضاً في خانة شركات "المنصات"، ويظن أفيان أن هذه المقاربة تُخفّض مخاطر الشركات الناشئة في سجله وتسمح لأي واحدة منها بالتنقل من مجال إلى آخر، بحسب ما تفرضه الظروف. هذا ما فعلته "مودرنا" مثلاً حين قررت إنتاج لقاحات كورونا.

يضيف أفيان: "يتراجع احتمال أن ينجح أي منتج فردي في قطاع التكنولوجيا الحيوية. ما الداعي إذاً لإنفاق ملايين الدولارات وإهدار سنوات عدة لطرح منتج مزدوج واحد؟ جمعت شركة "مودرنا" مليار دولار لكنها أجّجت الشكوك في أماكن كثيرة. راح البعض يتساءل: "كيف يُعقَل أن يمنحكم أحد المال"؟ مع ذلك، تطوّر اللقاح بعد يومَين على نشر التسلسل الجينومي لفيروس كورونا. أيهما الأهم: اللقاح أم منصة إنتاجه؟ قد يظن أي مستثمر اليوم أن اللقاح هو الأهم، لكني أفضّل اللجوء إلى قناعاتي المختلفة كي أعتبر المنصة أهم عامل".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.