جورج بوعبدو

خسارة بنكهة الفوز

Beirut 6:07 في "الإيمي الدولية"...

24 تشرين الثاني 2021

02 : 00

كان من المفترض أن ينال جائزة "إيمي" الدولية عن فئة أفضل مسلسل قصير منافساً ثلاثة أعمال أخرى من البرازيل واسبانيا ونيوزلندا. دخل حلبة المنافسة بعد عرضه العام الماضي على منصة شاهد VIP فحاز اهتماماً بالغاً خصوصاً أنّ الموضوع جرحٌ دامٍ أحدثه انفجار الرابع من آب 2020 وما زال ينزف حتى يومنا هذا. 15 مخرجاً أبوا الصمت، فرفعوا الصوت عالياً بتوقيعهم 15 فيلمأً وثائقياً قصيراً نقلوا بها المشاهدين في 7 دقائق الى لحظات سبقت الحدث الأليم أو أعقبته فعاشوا معها حسرة قلوب أمهات فوج الاطفاء، أو لوعة صياد قصد جوار المرفأ طمعاً في قوتٍ زهيد فابتلعه البحر، أو عروس اتشح بياض عرسها بالاحمر، أو المئات ممن لم يعودوا في ذلك اليوم المشؤوم الى حضن ذويهم فتحولوا أشلاءً تناثرت في أركان مدينة كانت تحتفي ذات يوم بالحياة. مئات القصص الموجعة التي ألفها اللبنانيون لفرط متابعتهم لنشرات الأخبار في تلك السنة السوداء متسمرين أمام شاشاتهم اقتناصاً لخبرٍ يطلعهم على حيثيات ما جرى علّهم يستوعبون.



إنّها سلسلة Beirut 6:07 التي أرادت بها الشركتان المنتجتان Big Picture studios وImagic تخليد ذكرى موجعة يسعى النظام الجائر الى طمسها في بلدٍ يرفض الاذعان الى العدالة ولا يصون الحق. ومع أنّ فوز السلسلة بالـ"إيمي الدولية" بتاريخ 22 تشرين الثاني بالذات، لمصادفته مع عيد الاستقلال، كان ليكون فعلاً مدوياً لما يحمله من دلالاتٍ رمزية لوطنٍ يرفض أن ينحر على يد جلاديه، إلا أنّ الرياح شاءت عكس ذلك فحصد الجائزة مسلسل INSIDE من نيوزلندا بدلاً من عمل بلد الأرز.



مدير شركة Imagic ألان هوشر يؤكد في حديثه لـ"نداء الوطن" عقب تبلغه عدم الفوز بأنّ الغرض من العمل قد تحقق، فقد شاء القيمون عليه إيصال حدث إنفجار الرابع من آب الاليم الى العالم أجمع كي "يعلم الجميع ماذا حل بمدينتنا الحبيبة بيروت". ويتابع: "فرحنا جداً لوصولنا للإيمي الدولية ولكنها لم تكن الهدف بحد ذاته، بل كلّ ما أردناه فعلاً كان إيصال صرخة الناس بشكلٍ مدوّ والعبور بصوت الضحايا الى أكبر شريحةٍ ممكنة من البشر كي لا تطوى هذه الجريمة النكراء في كتب التاريخ. الربح والخسارة سيّان بهذا الميزان، خصوصاً حين لا نبحث إلا عن انتصار العدالة فينال الضحايا بعضاً من التعويض المعنوي لتعذّر الحصول على التعويض الفعلي. وأتوجه بالشكر هنا الى أهالي الضحايا الذين أفسحوا لنا في المجال لتوثيق قصصهم فلولاهم لما تم ترشيحنا الى الجائزة. ولا يفوتني أن أشكر طبعاً فريق العمل من مخرجين وفنيين عملوا من دون مقابل لهدفٍ نبيل".



لم يكن تنفيذ السلسلة سهلاً فهي أساساً نتاج الألم ومنه تستمدّ قوّتها وجماليتها. يشرح هوشر: "بعد مرور أسبوع على الفاجعة تلقيت إتصالاً من المدير الابداعي للشركة غازي فغالي يخبرني فيه أنّه لم ينم طوال الليل. شعور غريب يتآكله: علينا أن نفعل شيئاً الآن كي لا تمر هذه الحادثة مرور الكرام، قال لي. إجتمعنا بفضل تطبيق Zoom، فتبلورت الأفكار وتمكنّا من جمع 15 مخرجاً وكاتباً، ليروي كلّ منهم الانفجار على طريقته، فصوّروا الواقع المؤلم لأشخاص فقدوا منازلهم وتشرّدوا أو توفّوا أو فقدوا ذويهم، أو لأحياء أموات يعانون حتى يومنا هذا. هو شعب منكوب بأمه وأبيه، مدينة بأسرها نحرت من الوريد الى الوريد". ووفق هوشر كانت تلك أول تجربة له تكون فيها الكآبة سيدة الموقف بعكس أعماله الأخرى التي يعمها الفرح وألوان الحياة. "عشنا تجربة صعبة. كأننا في عين الانفجار. اضطررنا أكثر من مرة الى ايقاف التصوير لعجز فريق العمل عن تحمّل المشاهد مع نوبات من البكاء الجماعي. كان ما عشناه في موقع التصوير مخيفاً فما بالك بأرض الواقع؟ هل نتخيّل فظاعة ما حصل وما نتج عنه من ألم وحزنٍ وما زال مستمراً حتى يومنا لعدم الاقتصاص من المجرمين؟".



ورغم عدم العودة بالجائزة "الحلم" إلا أن المسلسل فاز بجدارةٍ في الهدف الأسمى الذي وضعه نصب عينيه: الاصرار على رفع الصوت عالياً ونقل ما حصل الى أوساط عالمية خارج دائرة الوطن الضيقة، متحولاً بذلك الى صوت الذين لا صوت لهم، فهذه قضيّة لا تموت ولا بدّ لها ذات يوم من أن تنتصر!


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.