طوني نعيم

نحو نموذج نظام مسيحي لخلاص لبنان

4 كانون الثاني 2022

02 : 00

إذا كان لبنان بلد الحرية فعلاً، فمن المؤكد أنّ الحرية والمساواة توأمان لا ينفصلان.. إمّا أن يكونا معاً أو لا يكون أيّ منهما لأنّهما وجهان لعملة واحدة. وأمام الوضع المأسوي الذي وصل إليه لبنان لا يمكن إلا النظر بتجرّد للبحث في إمكانيّة إيجاد حلول، أحدها، والذي يلقى رواجاً بين حركات المجتمع المدني، يركّز على إقامة دولة علمانيّة مدنيّة.

ولكن كيف يمكن إقامة هكذا نظام والشرع الإسلامي يرفض قيام نظام أحوال شخصيّة مدني وموحّد لجميع اللبنانيّين.

لا يتطلب الأمر مجهوداً فكرياً كبيراً لمعرفة خلفيّة الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله الأيديولوجية للوصول إلى يقين ماهيّة نظرته، كأكبر قوّة عسكريّة في لبنان، إلى بقيّة المكوّنات اللبنانيّة. فهو أصولي بامتياز يتكلم بخلفيّة فوقيّة استعلائيّة عن بقيّة اللبنانيّين الى أي طائفة انتموا. على الرغم من أنّ كلامه كان موجّهاً بشكل خاص إلى المسيحيّين عموماً. إنّه موقف معلن وغير خفيّ.

المؤسف المبكي أيضاً في هذا المجال أن يكون هناك في الطرف المقابل، أي عند المسيحيّين، ليس فقط من يقبل أن يكون خاضعاً ذمّياً، وهو دور امتهنه عدد من السياسيّين المسيحيّين في الماضي القريب، آخرهم هذا العهد، إنّما الغريب أن أن يُلزموا بقيّة المسيحيّين ويجبروهم على قبول ذمّيتهم.

لقد قامت الفكرة اللبنانيّة على مبدأ جوهري يمثّل حجر الزاوية في كيان الدولة اللبنانيّة، من دونه يسقط لبنان وينتهي، ألا وهو مبدأ المساواة السياسية بين المسيحيّين والمسلمين. فسقط لبنان عندما انتهكت هذه الفكرة على يد "منظمة التحرير الفلسطينيّة" وزعيمها ياسر عرفات، ومن ثمّ استُكمِلَ الانتهاك مع الاحتلال السوري، وما زال الأمر مستمراً حتى يومنا هذا مع الاحتلال الإيراني عبر وسيطه المحلّي "حزب الله".

عطفاً على ما جاء في عظة متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة منذ أسبوعين ودعوته المسيحيّين إلى الاتحاد والتكافل لإظهار الحقيقة في جريمة تفجير المرفأ، نسأل لمَ لا يتّحد المسيحيّون لتثبيت أصول لبنان الدولة أيضاً؟ إنّ المطران عودة هو مرجع ديني ليس فقط عند الأرثوذكس وإنّما مكانته الروحيّة هي محط تقدير ومحبة عند كل المسيحيّين.

إنّ الحقيقة التاريخيّة المعيبة والمؤسفة تكمن في أنّ المسيحيّين أيضاً لا يمارسون مبدأ المساواة السياسيّة بين بعضهم البعض. وهنا تقع المسؤوليّة على جميع البطاركة والمطارنة والكنائس من دون استثناء. فالسؤال الأهم والكبير الذي يجب أن يجيب عليه كل بطريرك من بطاركة الشرق هو التالي: من هو أهم، الكنيسة أو المسيح؟ الجواب بديهي ومعروف. وكذلك الأمر بخصوص الحقيقة التاريخية المعروفة والفاضحة، فانقسام المسيحيّين على ذاتهم سياسياً واجتماعياً أضعفهم وشتّتهم عبر تاريخ هذا الشرق. وهذا خطأ مميت يجب الاعتراف به والرجوع عنه.

لن تعود "الفكرة اللبنانيّة" إلى الحياة ولن تستقيم الهويّة اللبنانيّة ويسترجع لبنان كيانه إلا مع إعادة الاعتبار إلى مبدأ المساواة السياسيّة بين المسيحيّين والمسلمين، وبين المسيحيّين أنفسهم كما بين المسلمين أنفسهم. هذا لا يعني أن تندمج الكنائس المسيحية كلّها تحت ظل كيان ديني واحد، وأن تحلّ بسحر ساحر اختلافاتها اللاهوتيّة ولا يعني أيضاً أن تتوحّد الليتورجيا، فالخلافات اللاهوتيّة يجب أنْ تبقى حيث هي، على المستوى الفكري النظري البحت لا غير. أما الطقوس الليتورجيّة فهي مصدر غنى وتنوّع، ومن الغباء اعتبارها مصدر خلاف. لكنّ المهم والأهم هو ألا تترجم التعدّدية الكنسيّة المسيحيّة في الشرق إلى خلاف اجتماعي سياسي يتعامل فيه المسيحيّون مع بعضهم بالمنطق ذاته الذي يتعامل به "حزب الله" مع بقيّة اللبنانيّين.

إنّها مسألة عويصة ولكنّ حلّها ممكن وقد يكون فيه خلاص لبنان إنْ صَفت نوايا البطاركة وحلّ الرجاء الصالح في قلوبهم. فالمطلوب هو وحدة اجتماعية، أي إقامة نظام أحوال شخصيّة موحّد يتبَعُ له جميع المسيحيّين في لبنان.

وسبب ذلك استحالة قيام نظام أحوال شخصيّة موحّد لجميع اللبنانيّين لتعارضه مع الشرع الإسلامي. لذلك تبقى فكرة الوحدة الاجتماعيّة القائمة على قانون أحوال شخصيّة موحّد للمسيحيّين هي الملاذ الآمن والأرضية الصالحة لانتشال المسيحيّين من ضعفهم ولبقاء دولة لبنان لهم وللمسلمين بالمساواة. ويمكن للكنائس أن تحتفظ بدورها الإرشادي بالتأثير على هكذا نظام وعلى 3 مستويات:

1 - أن يكون مدنياً ترعاه الدولة، قائماً على شرعة حقوق الإنسان، من دون تمييز أو امتياز بين الرجال والنساء، خصوصاً في أمور الميراث وبطلان الزواج والحضانة والنفقة. وتحتفظ الكنائس بدورٍ إرشاديٍ لتعطي فرصة إعادة جمع المتزوّجين لفترة زمنيّة محدّدة قبل انتهاء معاملات الطلاق.

2 - تقبل الدولة بالزواج الكنسي اختيارياً وكل حسب طقس كنيسته، وتحترم الدولة مبدأ قدسيّة الزواج الروحي لدى الكنائس بعدم الترويج أو تشريع زواج المثليّين مع احترام حق كل فرد في أن يعيش حياته الخاصة كما يشاء، وهو حق مقدّس لا سلطة لأحد عليه لأنّه يتعلق بحرّية الفرد وحده.

3 - تحترم الدولة الحق المقدّس بالحياة للجنين، فتلتزم عدم الترويج أو تشريع الإجهاض.

أما الأمر الثاني المطلوب وهو بذات أهمّية المساواة الاجتماعيّة عند المسيحيّين، وهو المساواة السياسيّة. حيث يجب إزالة الامتيازات الدستورية التي أُعطيَت للموارنة وحدهم في اتفاق الطائف، ومشاركتها بين جميع المسيحيّين من دون تفرقة أو تمييز بينهم. إنّ تاريخ لبنان الحديث أكبر شاهد على ما اقترفته أيدي بعض العائلات المسيحيّة بحق المسيحيّين من قذارة ببيعهم كذميّين إلى سوريا وإيران.

لا تختلف الكنائس بين بعضها في الانتماء إلى العالم الحر والفكر السياسي المعاصر القائل إنّ الدولة المدنيّة الحديثة تقوم على 4 مسلّمات جوهرية:

1 - حرّية الفرد المقدّسة، وهي هبة من الله وليست منّة من أيّ شخص أو أيّ نظام،

ويعني ذلك أيضاً المساواة بين الجميع من دون تمييز أو امتياز.

2 - شرعة حقوق الإنسان التي تُشكّل بمادتها ضابطاً لحرّية الفرد.

3- الديموقراطيّة مع ما تختزنه من نظام سياسي يضمن حرّية المعتقد الديني من دون تمييز أو تفرقة بين أقلّية أو أكثريّة، أكانت دينيّة أم غير دينيّة. الديموقراطيّة التي تضمن حرّية الفكر والتجمّع من دون خوف. وتضمن كذلك حلّ النزاعات بطرق سلميّة من دون اللجوء إلى العنف... حرّية اختيار الممثّلين وتغييرهم عبر انتخابات دوريّة. إحترام كلّ الأديان عبر فصل الدين عن الدولة من دون إسقاط حق رجال الدين بإبداء رأيهم السياسي في كل الأمور كأيّ مواطن آخر من دون اعتبارهم مُنزَلين وموحى بهم من عند الله فوق البشر ومن دون إعطائهم امتيازات سياسيّة مقارنة مع بقية المواطنين.

4 - نظام اقتصادي حرّ قائم على اقتصاد السوق والمبادرة الفرديّة أو الجماعيّة ترعاه الدولة حيث تؤمّن شبكة أمان اجتماعي لكلّ المواطنين من دون تمييز، مع التشديد على الفكرة الجوهريّة أنّ حرّية الفرد وواجباته وفق شرعة حقوق الإنسان، هي الأساس في النظام، وليس حقوق الدولة.

لذلك يبقى الخيار عند المسيحيّين إنْ أرادوا أن يُقدّموا نموذجَ نظامٍ قائمٍ على التنوّع الديني من جهة، ويحافظ في الوقت ذاته، على وحدة اجتماعيّة - سياسيّة ضمن إطار المحافظة على حرّية الفرد والمساواة التي تبقى قدس الأقداس في أيّ نظام سياسي يكون خياراً متاحاً للمسلمين إن أرادوا أن يلتحقوا به يوماً.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.