رفيق خوري

لبنان وسوريا والعراق: تغيير داخل الخرائط

دقيقتان للقراءة

كما في الغزو التركي لشرق الفرات كذلك في الوجود العسكري الروسي والإيراني والأميركي: دروس للجميع، وخصوصاً للسوريين والعراقيين واللبنانيين، وفي الطليعة للكرد. شيء من اعتبار سوريا مجرد مساحة جغرافية. وشيء من نصب فخاخ استراتيجية يقع فيها بعض من يتصور أنه يوظفها. لا حرب سوريا إنتهت، وإن كرر الرئيس فلاديمير بوتين القول "إن العمليات الأساسية في الحرب إنتهت فعلياً". ولا التسوية السياسية بدأت بتأليف اللجنة الدستورية بعد تعثر طويل عن قصد. ولا شيء يوحي أننا جاهزون لتعلم الدروس أو أننا حتى في التعلم قادرون على تغيير اللعبة الخطيرة.

ذلك أن الكبار مستمرون في اللعب والتنسيق، وسط تبادل الإتهامات. موسكو ترى أن وجودها مع طهران شرعي بدعوة من دمشق التي تضع الوجود الأميركي والتركي في خانة الإحتلال. لكن التنسيق العملاني الأميركي – الروسي قائم، والشراكة قائمة بين تركيا وروسيا وإيران كثلاثي ضامن لمسار "إستانا". والإنطباع السائد، أقله عبر الخطاب الإيراني، هو أن العراق وسوريا ولبنان جبهة واحدة. وأي تحرك في الشارع ضد الفساد والبطالة والسطو على المال العام هو، حسب خطاب المحور الإيراني "مؤامرة" من صنع الأعداء. وقمة الإستهانة بالشعب هي تجريده من القدرة على المبادرة والإدعاء أن موظفاً في سفارة يحرك التظاهرات.

وكالعادة في أي تطورات دراماتيكية تتكرر الأحاديث عن "يالطا جديدة" وتغيير الخرائط في الشرق الأوسط. لكن ظروف يالطا وبوتسدام تبدلت. إذ كان من السهل على روزفلت وستالين التفاهم على تقاسم أوروبا: "الصناعية لواشنطن والزراعية لموسكو". وحين سأل ستالين: ماذا عن بريطانيا، رد روزفلت: نترك لها "المناظر الطبيعية". وكان من الممكن في لقاء بين تشرشل وستالين، كما روى تشرشل في مذكراته، أن يكتب الزعيم البريطاني على ورقة نسب التقاسم بينهما في يوغوسلافيا ورومانيا لكي يوافق الزعيم السوفياتي ويطلب إحراق الورقة فيرفض تشرشل.

أما اليوم، فإن من المستحيل حصر اللعبة بين لاعبين أو ثلاثة كما كانت الحال أيام المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. فالصفقة تحتاج إلى التفاهم وتبادل المصالح بين أميركا وروسيا والصين وأوروبا وإيران وتركيا وإسرائيل ودولة عربية. وما يحدث ليس البحث في تغيير الخرائط بل العمل على التغيير داخل الخرائط. وهو تغيير ديموغرافي وتبديل في الواقع الجيوسياسي. ولبنان ليس في معزل عما يحدث في العراق وسوريا.