ماذا تفعل لو كنت الآن مكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟ سؤال لا يستسيغه الدكتور هنري شاوول الخبير المالي والمستشار السابق في وزارة المالية. البداية، برأيه الحاسم، في الشروع فوراً في المحاسبة والمساءلة وصولاً الى المحاكمة اذا تحددت مسؤوليات الكارثة التي حلت بالبلد. يقول:"شطف الدرج يبدأ من فوق". لماذ يبقى الحاكم محصناً ولا يمكن المساس به؟ نبدأ به وسنرى كيف يقع المتورطون الآخرون. انه المسؤول الأول منذ قبوله تثبيت سعر الصرف في 1997 مروراً بمخطط بونزي والهندسات وصولاً الى تعاميمه الترقيعية .
يشير شاوول الى مثلث مستحيل الجمع بين كل اضلاعه: تثبيت الصرف وحرية نقل الاموال وتحويلها وممارسة سياسة نقدية مستقلة مثل منح فوائد على الدولار خلافاً للأسواق العالمية. يمكن اعتماد 2 من 3. اعتماد المثلث كاملاً يولد مخططاً احتيالياً (بونزي) ينفجر حتماً كما حصل في لبنان.
تحديد الخسائر
يقول شاوول: حسناً فعلوا بالاعتراف بخسائر 69 ملياردولار. هذا الرقم بات بعهدة صندوق النقد الدولي وهو الاقدر على نقاش صحته. ربما كان الرقم اعلى من ذلك. لكن اين كنا واين صرنا. كان رياض سلامة في بداية الازمة لا يعترف بأي خسائر، لا بل أوهم النواب ان مصرف لبنان رابح! ها هو اليوم يعترف بالمرض العضال الذي شخصناه بدقة قبله. الا يجب محاسبة من اضاع نحو سنتين وعمق جراح اللبنانيين مالياً واقتصاديا ومعيشياً؟
الى ذلك، كتب امين عام جمعية المصارف الاسبوع الماضي عن السياسة النقدية والمصرفية التي اعتمدها سلامة منذ 1993 وعلاقتها بالازمة وفقدان دولارات المودعين. شهد شاهد من أهله ليؤكد ان الأزمة لم تبدأ مع التوقف عن دفع سندات اليوروبوندز في مارس 2020. بل قبل ذلك بكثير. وقبل التوقف عن السداد سألت الحكومة وشركة "لازار" مصرف لبنان الذي عارض قرار التوقف: هل اذا دفعنا استحقاق آذار 2020 يمكن ان نستمر بدفع استحقاقات نيسان وبعده ؟ فقال : ما بعرف!!
إسترجاع الأموال
يطلب شاوول ان يشمل ذلك اموالاً خرجت قبل 17 تشرين 2019 بعد تدقيق جنائي على المصارف وسؤال كل مصرفي من أين له هذا، ونسأل مثلاً عن قضية سحب احد الزعماء مبلغ 500 مليون دولار ومن اين له هذا هو وكل السياسيين وكبار الموطفين، وندقق في كل السحوبات والتحويلات لنعرف المشروع وغير المشروع استناداً الى قاعدة "من اين لك هذا؟".
في معالجات مخطط مادوف الاحتيالي الشهير استرجع القاضي عوائد كانت منحت بنسبة 20% مثلاً وشمل من سيل محفظته وخرج. يرفض شاوول مقولة "انو اللي راح راح وما نقدر". انها الدولة وباستطاعتها بقوة القانون فعل كل ما هو عادل. كما يذكر بقانون "فاتكا" الاميركي وكيف طبق بأثر رجعي مع بعض الحوافز للافصاح وبالتالي فرض الضرائب على اموال الاميركيين في الخارج.
هيكلة القطاع المصرفي
يطلب شاوول تشكيل هيئة او سلطة مصرفية تنظف كل القطاع وتسهم في توزيع الخسائر. المطلوب تضحيات (هيركات)، لكن نقول للمضحين ان لدى الدولة نموذج عمل جديداً سترعى فيه الصحة والتعليم والشيخوخة. عندئذ اكون قد اخذت شيئاً ومنحت مقابله، بعد ان اكون قد حددت المسؤوليات والمستفيدين بغير وجه حق واسترجعت اموالاً وحاسبت المسؤولين عن الأزمة والمستفيدين من المال العام بالفساد ومخطط بونزي. انها قضية اخلاقية بغاية الأهمية لحفظ حق الاجيال القادمة وعدم توريثها مشاكل الجيل الحالي لمجرد ان فلاناً سيحتفظ بالمال الفاسد الذي نهبه على حساب كل الآخرين. ومن هنا اهمية الّا يشمل التدقيق الجنائي حسابات مصرف لبنان بل المصارف وعقود الدولة وقطاعات الكهرباء والنفايات مثل عقد سوكلين وغيره.
كابيتال كونترول
يقول شاوول ان ضبط التحويلات والسحوبات بقانون مطلوب البارحة واليوم وغداً. مشيراً الى ملاحظات لصندوق النقد مثل عدم استثناء حسابات "الفرش" دولار، حتى لا يتسرب قرض الصندوق الى الخارج بطرق الصرف ثم الايداع والتحويل.
لدينا الآن 12 مليار دولار. علينا ان نحدد اذا كانت للمودعين ام موجودات للدولة مع الذهب لنبني فيها اقتصاداً جديداً. وهل هذا ممكن مع نفس منظومة الفساد؟ السؤال برسم الناخبين!
توحيد سعر الصرف
يجب الاعتراف بمستوى السعر في السوق الموازية، على ان يتراجع الى 15 الفاً للدولار ثم الى 9 آلاف اذا نفذت الاصلاحات بحذافيرها. خلاف ذلك السعر سيرتفع الى 50 الفاً.
بالاصلاح نجبي بالأسعار الرائجة ضمن خطة لا تترك الحال المشوهة كما هي قائمة بجبايات على 1500 ليرة لأن ذلك بات مستحيلاً ويورث خسائر اضافية. الاعباء التي تترتب على المجتمع عبر الجباية بالسعر السوقي تعوض ببرامج تخصص للاكثر فقراً.
قانون النقد والتسليف
قانون النقد والتسليف بحاجة لتعديل جذري لتجنب تكرار نفس الأخطاء علماً "بأن ما قام به مصرف لبنان على سبيل المثال لا الحصر، باقراض الدولة بالدولار مخالفة جسيمة للقانون الحالي" كما يؤكد شاوول.
السرية المصرفيةيجب الغاء قانون السرية المصرفية. يتلطون وراء هذا القانون الذي يحمي المتهربين من الضرائب ومبيضي الأموال ويعرقلون التدقيق الجنائي بحجج السرية ايضاً. يجب حماية المعلومات المصرفية من دون التستر على جرائم الأموال.