خالد أبو شقرا

تثير أسئلة أكثر مما تقدم من أجوبة ولا تصلح لضمان حسن سير المفاوضات مع صندوق النقد

موازنة 2022... هنا "نسخنا"... وهنا "لصقنا"

11 كانون الثاني 2022

02 : 01

المتوقع أن تستمر الموازنة في إخفاء الديون وفوائدها وتعتمد سعرين للصرف
قبل نهاية العام، وفي معظم الأحيان بعد دخولنا سنة جديدة، توضع الموازنة على "خشبة" تشريح مجلس النواب. الأخذ والرد اللذان يرافقان النقاش بتفاصيلها لم يمنعا، إلا استثنائياً، إقرارها بالشكل الذي يسمح للقوى السياسية التصرّف بالاموال العامة وفقاً لمصالحها، وهذا بيت الداء، الذي أصبح يعرض الاقتصاد للهلاك. أما الدواء فموازنة توضع بناء على "الخطة الاقتصادية" المنتظرة وتتكامل معها.





كثرة الحديث عن تسلم الحكومة أو رئيسها فقط، موازنة 2022 في غضون ساعات قليلة يرسم 3 سيناريوات: أن تكون قد وضعت بناء على الخطة، ولم يجر التصريح علانية عن الأخيرة لسبب ما. أن تكون الموازنة معدة بعيداً عن الخطة الاقتصادية، وتمثل استمراراً للنموذج القديم. وإما أن تكون الموازنة شكلية، هدفها كسب الوقت واستمرار المماطلة السياسية أكثر منها تصويب الوضع الاقتصادي.

إنكار الواقع مستمر

مختلف الاحتمالات ترجّح كفة الخيارين الثاني والثالث، مع استبعاد صريح لان تكون متوافقة مع الخطة الاقتصادية التي على أساسها سيتحدد سعر الصرف، وحجم الخسائر وكيفية توزيعها، وتخفيض نسبة العجز من الناتج المحلي الإجمالي، واعادة هيكلة الاقتصاد والمؤسسات، ووضع رؤية واضحة لحجم النفقات والايرادات... "فمنذ التسعينات ولغاية اليوم تأتي الموازنات "نسخة طبق الأصل" عن بعضها البعض مع القليل من التعديلات"، يقول عضو لجنة المال والموازنة النيابية النائب فؤاد مخزومي، "وعادة ما تكون غير مبنية على الواقع والتخطيط المستقبلي، إنما على معلومات تاريخية، بشكل أنها تأخذ ما تم تحصيله وإنفاقه سابقاً ووضع بعض الإضافات عليها التي تتلاءم مع مستوى التضخم". و"الأخطر أن الموازنات السابقة، وتحديداً من بعد العام 2018 التي درستها اللجنة تضم ألغاماً كثيرة، عادة ما تحاول الحكومات تمريرها".

على هذا المنوال ستأتي موازنة 2022 من دون أن تكون متوافقة مع الخطة الشاملة، ولا مع أي تخطيط جدي للواقع الاقتصادي والنقدي. وهنا يسأل مخزومي، "ما هو سعر الصرف الذي ستعتمده الخطة؟ خصوصاً أن سعر الليرة مقابل الدولار انخفض منذ استلام حكومة الرئيس ميقاتي من حدود 14 ألف ليرة إلى أكثر من 30 ألف ليرة اليوم. وبما أن سعر الصرف يتحدد بناء على الثقة، فلا مانع أن يصل السعر إلى 50 و60 ألف ليرة طالما الثقة معدومة".

تلبية للاجندات الخاصة

أكثر من ذلك فان الرئيس نجيب ميقاتي وعد الجانب الفرنسي بسلة من العقود الاستثمارية، "كان من نتيجتها صحوة "الميدل ايست" لاقرار الموازنات منذ عشر سنوات، واقتراح وزير الاشغال العامة تعديل قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص PPP، هذا بالاضافة إلى عقد إعادة ترميم وتفعيل المرفأ. هذا بالجانب الاقتصادي، أما في الجانب السياسي فان الهدف من الموازنة هو تبرير فتح العقد الاستثنائي لمجلس النواب من أجل تأمين الحماية اللازمة للنواب المطلوبين للتحقيق في قضية تفجير المرفأ".

إنطلاقاً من هنا فان تمرير الموازنة المتأخرة هو تلبية لاجندات خاصة وليس لمصلحة الاقتصاد، والأكيد أنها لن تتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي ولن تحوز على موافقته. وما يؤكد هذه الفرضية هو "توقف الاجتماعات بين صندوق النقد والحكومة منذ فترة"، يقول مخزومي. فـ"الاخيرة تقرر وتمرر إجراءاتها ومن ثم تدعي عدم نجاح محاولاتها الإصلاحية، وتقترح المزيد من الإستدانة بعيداً عن أي شروط أو مراقبة دولية. وهذا ما لمسناه بقرض 246 مليون دولار المخصص للمساعدة الاجتماعية من البنك الدولي، واتفاق المنظومة على التهرب من اجراءات الرقابة والمعايير الدولية لعدم تحول المساعدة إلى بطاقة انتخابية من خلال طلب 500 مليون دولار كقرض حر من أي التزام".

من هنا فان مشروع الموازنة اذا أبصر النور سيكون، عبارة عن تنفيذ أجندات خاصة عن قوى السلطة لسرقة ما تبقى من الدولة بعيداً عن أي إصلاح جدي أو حتى اتباع المعايير المطلوبة للخروج من الأزمة. و"على علمي فان مسودة مشروع الموازنة كتبت بعيداً عن استشارة صندوق النقد الدولي، مثلها مثل مسودة قانون الكابيتال كونترول"، يقول مخزومي، "ذلك أن موقف كل من البنك الدولي، وصندوق النقد واضح لجهة عدم البدء برفع الدعم والاجراءات القاسية قبل البدء بتنفيذ المخطط الكامل والشامل، وهذا ما لم يحصل".

شبيه بـ2021

إذاً، من المتوقع أن يكون مشروع موازنة 2022 مشابهاً لموازنة 2021 التي لم تمر. أي أنها وضعت بعيداً عن الخطة الاقتصادية، وتتضمن إجراءات ضريبية من ضمن "أحصنة الموازنة"، بحسب عضو المكتب التنفيذي للجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين نديم ضاهر، و"على الأغلب ما زالت غير منجزة ولم تقدم بعد إلى الحكومة". واذا كان من المبكر الجزم، قبل خروجها أو ظهور مسودتها إلى العلن، فان "الوقت القصير الذي أعطي لانجازها والمترافق مع عدم اجتماع الحكومة وعدم ظهور أي بوادر لانجاز الخطة الاقتصادية... عوامل توحي بانها وضعت "بالتي هي أحسن"، من وجهة نظر ضاهر. وذلك على غرار مشروع موازنة 2021 الذي وضع قبل الخطة الاقتصادية. فيما كان المطلوب ان تأتي هذه الموازنة كترجمة للخطة.

مخالف للبرنامج مع صندوق النقد

رئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية والخبير السابق في البنك الدولي منير راشد ومن موقف مبدئي، يعتبر أن "الموازنة التي يجري تحضيرها يجب أن تتوافق مع متطلبات البرنامج مع صندوق النقد وليس مع الخطة. فالاخيرة هي سمة من سمات البلدان الاشتراكية والشيوعية، فيما صندوق النقد عندما يتعامل مع الدول المأزومة لا يضع لها خطة إنما برنامجاً. هذا من حيث الشكل أمّا في المضمون فيفترض راشد، مما توفر من معلومات، أن مشروع الموازنة غير متوافق مع برنامج صندوق النقد للأسباب التالية:

- إستمرار استعمال الموازنة سعرين للصرف.

- عدم إصلاح قطاع الكهرباء، ما يعني استمرار الدعم لقطاع الطاقة.

- إستمرار التوقف عن سداد الفوائد المترتبة على الدولة للدائنين عن الموازنة وانكار التوقف عن سداد الديون.

- عدم شموليتها وهو مبدأ أساسي من مبادئ الموازنة.

- عدم إظهار ومعالجة ديونها الكثيرة، ولا سيما تلك التي تعود إلى الضمان الاجتماعي (تفوق 5000 مليار ليرة).

اذا كانت هذه المعلومات غير متوفرة في مشروع الموازنة، فـ"لن تكون لها أي قيمة فعلية على صعيد ضمان حسن سير المفاوضات مع صندوق النقد الدولي"، برأي راشد. وهي ستثير أسئلة اكثر مما ستقدم من أجوبة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.