في لقاء مع الباحث القانوني، رئيس هيئة القضايا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي صادق علوية يتبيّن، وفقاً لقراءاته، كيف أننا لسنا في دولة قانون ومؤسسات. فيقول علوية إننا نعيش في دولة تعاني تخمة تشريعية بفائض كبير من القوانين التي لا تطبّق لأسباب مختلفة.
برأيه، لدينا عدد كبير من القوانين، ويعلم واضعو هذه التشريعات أنها لم، وقد لن تطبّق، وهم واثقون من ذلك. وما يطمئن أيّ واضع تشريع أنه يريد فقط، أو في معظم الأحوال، كسباً إضافياً من أصوات الناخبين والرأي العام. وهو يعلم علم اليقين أن اللبنانيين ليس لديهم ذاكرة لأكثر من شهر.
تشريعات تتعفّن في الجوارير
وتطرّق الحوار إلى ما كان أشار إليه رئيس مجلس النواب نبيه بري سابقاً عندما قال إن هناك 74 قانوناً غير مطبق، ومسؤولية المجلس النيابي نفسه لجهة عدم محاسبة الحكومات أو الوزراء المتقاعسين عن تطبيق تلك القوانين. ويوضح علوية، على هذا الصعيد، أن ما قاله الرئيس بري صحيح. لكن إذا قرأنا التشريعات كلّها، كما يؤكد علوية، لوجدنا أن هناك أكثر من 117 قانوناً غير مطبق بشكل أو بآخر. للمثال، عندما تصدر في قانون الموازنة مادة عن المسح الضريبي لمكافحة التهرب من دفع الضرائب، فهل نعتبر ذلك قانوناً خاصاً غير مطبق أو نعتبره ضمن قانون الموازنة فقط؟ علوية يعتقد أن ذلك يُعدّ حكماً قانونياً خاصاً غير مطبق! وعلى هذا النسق، سنجد أن إجمالي 117 قانوناً لم تجد طريقها إلى التطبيق.
ويوضح أن المسح الضريبي طلبته وزارة المالية في 2019 في حقبة الوزير علي حسن خليل، وتم التأكيد عليه في 2020 ولاحقاً، وذلك للاعتماد على البلديات بما أنّها سلطات محلية قادرة على القيام بذلك المسح في نطاقاتها، لمعرفة من لديه رقم ضريبي ومن لا رقم له. ثم تبلغ البلديات وزارة المالية بالنتيجة. هذا العمل لم يتم لغاية اليوم، رغم مرور 3 سنوات على إقراره.
ويتناول الحوار مع علوية اللجنة النيابية التي شكلت قبل سنوات طويلة لمتابعة تنفيذ القوانين ويرأسها النائب ياسين جابر، فيشير إلى أن تلك اللجنة أعدّت تقريراً طالبت فيه الحكومة بمعرفة الأسباب، وتحثّ على تسريع التطبيق. هنا دخلنا البيروقراطية من أوسع أبوابها. إذ يقول علوية إن رئاسة الحكومة كلفت الأمانة العامة لمجلس الوزراء إعداد جدول تفصيلي لتتبّع مسار تلك القوانين ومعرفة أين وصل تطبيقها. والروتين يقضي بأن أرسلت إحالة من الأمانة لمجلس الوزراء إلى الوزارات المعنية، التي بدورها أرسلت إحالة إلى المدير العام المعني...
المتحجّجون بضرورات تعديل القوانين يدينون أنفسهم
ويضيف: لو كنا في دولة قانون ومؤسسات، فإن الوزير الذي لا يقوم بعمله يعتبر مخلّاً بواجباته. والوزير الذي لا يضع مشروع المرسوم التنظيمي لتطبيق القانون هو مخلّ بواجباته، وعلى المجلس النيابي محاسبته. لكننا لسنا في دولة قانون بل بدولة «التزبيطة» و»الصفقة». نعيش في دولة لا تفتح فيها ملفات فساد إلا للتنكيل بجهة أو شخص ما. عند تحقيق هذا الغرض بطريقة أو بأخرى، ننسى ملفات الفساد، أو ننسى بعد أن تعقد التسويات.
ويتوسّع علوية في أمثلة أخرى مثل ادّعاء أن الهيئات الناظمة في قطاعات الكهرباء والاتصالات وغيرها لا تطبّق، وأن الحجة التي يتمسّك بها الوزراء في هذه القطاعات تقوم على أن هذه القوانين بحاجة إلى تعديل، فيجزم علوية بأن هذه الحجج تدين مطلقها، فالقانون النافذ هو نافذ. لا يجوز التحجّج بضرورة تعديل القانون للحؤول دون تطبيقه. القاعدة هي تطبيق القانون بحالته الراهنة إلى حين تعديله أو إلغائه في المجلس النيابي. تعليق تطبيق القانون خطير جداً في لبنان، ونعني بذلك التعليق الإرادي. وللمثال يوضح بأن الدستور أعطى رئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو ردّها. ويسأل: هل نعطي الوزير المعلّق تطبيق القانون صلاحية أكبر من صلاحية رئيس الجمهورية ؟ وندعه لا يطبق القانون تحت عنوان أنه بحاجة إلى تعديل؟ هذا تهرّب وكذب! برأي علوية.
ويشرح كيف أن عدم التطبيق هو لأسباب كثيرة، أبرزها أنّ هذا القانون أو ذاك لا يناسب مصلحة هذه الجهة أو تلك. فأي قانون لا يرغب أي طرف سياسي في تطبيقه سيجد الطرف المعني حجّة لضرورة التعديل، ووراء تلك الحجة مصلحة.
ويجزم أنه لا وجود لشيء اسمه «قانون معلّق» من دون تشريع يعلّق التطبيق. ولا يمكن منح صلاحية التشريع بالتعليق الإرادي للقوانين للوزراء. وبإمكان كل صاحب مصلحة أو متضرر رفع دعوى ضد أي وزير لا يطبّق القانون. فالقضاء يحكم ويعوّض عليه إذا كان متضرراً.
لا ندخل أبواب الإصلاح لمجرد إقرار
تشريعات «إصلاحية»في ما خصّ القوانين التي يطلب صندوق النقد تعديلها مثل السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف، يتوقف علوية ليقول إنه علينا أخذ المطلوب من الصندوق ب»القطعة»! فمن غير الأكيد أن كل ما يطلبه صندوق النقد هو إصلاحي بالضرورة. لكن صحيح أنه عندما طلب صندوق النقد إصدار قانون عصري جديد للشراء العام (المناقصات) فكأنه كان يقول لصاحب وجه وسخ، إغسل وجهك. نعم، كان لدينا أفلام ومسلسلات فساد على هذا الصعيد.
ثم يقرّ بأن التمسك بالسرية المصرفية مردّه إلى أن المتمسّك يريد عدم معرفة حقيقة ما، ولا يجوز الإبقاء على السرية كما هو معمول بها، وأنه إذا أردنا محاسبة فاسد ما يتحجّج بالسرية المصرفية ونتركه وشأنه! فتلك السرية يفترض ألا تشكل عائقاً أمام القضاء، لأنها على الأفراد والغير وليس إزاء القضاء. فعندما يحقّق القاضي في قضية جزائية تعتبر السرية المصرفية مرفوعة حكماً عند الحاجة إلى ذلك. ويحق لهيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها حاكم مصرف لبنان رفع السرية. ويضيف علوية: أما إذا قلت لي إن تلك الهيئة لا تقوم بواجبها، فأقول لك إن المشكلة فيها وليست بنص القانون.
فالمشكلة ليست بالنصوص. وهناك مثال آخر في قانون النقد والتسليف وكيف يطبق، ويشير علوية إلى مسؤولية المجلس المركزي في مصرف لبنان. فإذا كان هذا المجلس غيّب دوره، أو أن لجنة الرقابة على المصارف غيّبت دورها، فهذا لا يعني أن المشكلة في النص. أما إذا كانت المشكلة بالنص فلا بدّ من تقديم اقتراح قانون للتعديل.
تشاؤم نسبي بشأن قانون المنافسة
على صعيد آخر، يعتبر أن قانون المنافسة إنجاز كبير، لكن يستدرك ليؤكد أنه لم يلغِ الاحتكار ولن يلغيه، لأنه يلغي الوكالة الحصرية فقط. ما يلغي الاحتكار، وفق علوية، هو تطبيق القانون الذي ينص على وجوب قيام هيئة ترعى المنافسة وتمنع الاحتكار. لكنّه متشائم نسبياً ويخشى أن يكون مصير هيئة المنافسة مثل مصير الوكالة الوطنية للدواء التي أنشئت في قانون مؤخراً ويطول انتظار تطبيقها. ويقول: في قانون المنافسة ألغيت «الحصرية» ولم تلغَ الوكالة. لكن لا غرابة إذا وجدنا هذا القانون بلا تطبيق وينضم إلى «إخوته» من القوانين الأخرى المعلقة أو غير المطبقة.
وعن علاقة الإصلاح المطلوب من صندوق النقد الدولي بالتشريعات الجديدة يعتبر علوية أننا لا ندخل مرحلة الإصلاح لمجرّد إقرار قوانين يقال عنها «إصلاحية». علماً بأن لبنان، عموماً، ليس بحاجة لتشريعات جديدة لتحقيق هدف اسمه «الإصلاح».
ويتوقف علوية ليشير وفقاً لمتابعته القانونية والسياسية لما يجري، ليقول إن المشكلة في نهم «الجيوب» والتوحش المالي وليس النصوص. ويضيف إلى ذلك مشكلة الذاكرة القصيرة للناس وعدم معرفتها بحقوقها. وهنا ندخل نقاشاً حول الدور الطائفي والمذهبي. فلما تستعصي على طرف ما مسألة نراه، كما يلاحظ علوية، يخرج من جيبه السحري الحجة الطائفية، أو يستنفر بحجة أن هناك جهة طائفية أخرى تريد التجاوز على طائفته أو مذهبه. ولا يستثني أحداً ويقول للأمانة: الفساد موجود، وممثل في كل طوائف لبنان. والفقراء من كل طوائف لبنان، وربما علينا انتظار تشكيل هيئة وطنية للفقراء!
لا يستعجلون مساعدة الفقراء.. ليست أولوية!
يضرب صادق علوية مثالاً عن عدم تطبيق القوانين كما يجب وعن البيروقراطية المقصودة فيقول: أقر قانون اتفاقية القرض مع البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار والمخصص للأسر الأكثر فقراً، وذلك منذ أيام حكومة الرئيس حسان دياب. القانون يجيز عقد الاتفاقية، ومرّت 6 أشهر بعد الإقرار لإصدار مرسوم إبرام الاتفاقية. أضعنا الكثير من الوقت، بعد ذلك أتت الحكومة الجديدة لتقول إنها ستباشر تنفيذ الاتفاقية فور صدور تعديلات على القانون، وكان لها ما أرادت. خلال تلك الفترة الطويلة الضائعة، وضمن بديهية استشراف الآتي مستقبلاً، كان يفترض القيام بإجراءات تحضيرية وتطبيقات لوجستية وفنية، وتجميع كل المعلومات و»الداتا» المطلوبة عن الأكثر فقراً، بالإضافة إلى إنجاز التنسيق مع إدارات ومؤسسات عامة معنية بالبطاقة التمويلية للفقراء.. وما زلنا ننتظر!