يرفض أستاذ التمويل في الجامعة الأميركية في بيروت محمد فاعور استخدام تعبير "إعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني" عند الحديث عن كيفية توزيع الخسائر البالغة أكثر من 70 مليار دولار. ويؤكد أن هذا التعبير يفترض أن القطاع قابل للترميم بشكل أو بآخر.
ويضيف في حوار مع "نداء الوطن" أن اعادة الهيكلة هي ذات طابع مالي تقوم على "تظبيط" الميزانيات ويبقى نموذج العمل كما هو ونكمل المشوار! الأجدى ليس تنظيف الميزانيات فقط، بل تغيير نمط عمل وادارة المصارف والهيئة الناظمة (اي مصرف لبنان) كي لا تعيد تكرار نفس الأخطاء الجسيمة والمتعمدة التي ارتكبتها. وفي ما يلي نص الحوار:
ما واقع القطاع المصرفي اللبناني الآن؟
أنه أشبه بما كان عليه القطاع المصرفي الآيسلندي خلال الأزمة المالية التي مر بها ذلك البلد إبان الأزمة المالية العالمية. بلغ حجم ذلك القطاع 10 أضعاف حجم الإقتصاد. وكان هناك مصطلح شائع مفاده "أكبر من أن يقع". لكن، وبالتجربة اتضح أنه "أكبر من أن تنقذه".. ولم ينقذوه.
وهذا هو واقع القطاع المصرفي اللبناني أيضاً. حتى لو افترضنا جدلاً أنه يجب تعويمه، فنحن غير قادرين على ذلك. لم يعد اقتصادنا بناتج يقدر بنحو 18 مليار دولار فقط أن يستطيع تعويم قطاع مصرفي منفلش بهذا الشكل.
نقطة الانطلاق تبقى في التشخيص الصحيح، بدءاً من مراجعة نوعية الأصول وتقييمها لكل بنك على حدة. علماً بأننا نعرف تقريباً الآن أن الأغلبية الساحقة من البنوك لن تنجو، أي أنها مفلسة.
لكنهم يريدون تحميل الدولة الجزء الأكبر من الخسائر.. هل ممكن؟
نعم، إذا أعفينا تلك البنوك من الحمل الكبير للخسائر، فهي ستحمل لطرف آخر.. وهنا يتحدثون عن الدولة.
هناك ما يشبه الكاريكاتور عند الحديث عن الدولة، كأنها كيان منفصل عن الناس، وينسون انها تجبي ضرائب منهم. ان تحميل الدولة خسائر يعني المزيد من جباية الضرائب من الناس لاستيعاب هذه الخسائر، أي تحميل المجتمع خسائر ناتجة عن خيارات ائتمانية اتخذتها المصارف بمعرفة كاملة بمخاطرها.
الخيار هو بيع الأصول العامة، أي انها عملية "تشليح" كما يطرحه المصرفيون للتهرب من مسؤوليتهم.
أما حسابياً، حتى لو بعنا هذه الأصول كما هي الآن، فانها لن توفر شيئاً مهماً أو كافياً من الأموال مقارنة بحجم الخسائر الذي يقدر بنحو 69 مليار دولار، علماً أن الرقم أكبر من ذلك برأيي.

هل الأفضل طرح تحسين ادارة استثمار أصول الدولة وليس بيعها؟
ثم يأتي من يتحدث عن ادارة تلك الأصول بشكل أفضل لينتج منها تدفقات لسد الفجوة المذكورة وتحديداً لتعويم المصارف. صحيح أن تلك الادارة كانت سيئة جداً، لكن الربحية المتوخاة منها مع الإدارة السليمة المطلوبة لها هي لزوم الانفاق الاستثماري والاجتماعي أولاً، وليس تعويم المصارف.
نحن نشهد أحد أكبر عملية تدمير للثروة في التاريخ نتيجة افلاس المصارف وتعثر الدولة. الأرقام مهولة، فالى جانب تبخر الودائع، خسرت المداخيل نحو 80% من قيمتها بفعل تدهور سعر الصرف. وأكاد أقول انه تدمير ممنهج للثروة والمداخيل.
السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه عند إعداد أي خطة لانتشال الاقتصاد هو: كيف نخلق النمو الاقتصادي الذي يوفر فرص العمل المناسبة لليد العاملة المتجهة أكثر فاكثر نحو الهجرة ؟ كيف لنا خلق نسب نمو عالية ومستدامة ونحن "نشلح" الدولة أصولها؟ النمو الذي نتحدث عنه يحتاج الى استثمارات من الداخل أولاً، لأنه علينا ألا ننتظر عودة تدفق الرساميل من الخارج كما يجب خلال سنتين أو ثلاث من الآن. بالانتظار، هناك ثغرة ستسدها الدولة في الاستثمار الأفضل لأصولها وليس لسداد خسائر البنوك.
لماذا رفض صندوق النقد طريقة الحكومة لتوزيع الخسائر؟
لا يتوقف صندوق النقد الدولي كثيراً عند تفاصيل من هنا وأخرى من هناك، بل يركز على المؤشرات الماكرو اقتصادية ومالية. ويقول: هذه هي الموجودات وهذه هي المطلوبات، وعلى صناع القرار جعلهما متساويين.
ما عرفناه، أن ما طرحته الحكومة لجهة توزيع الخسائر جوبه بالرفض من الصندوق، ويقال أن هناك عملاً لاعادة انتاج ورقة جديدة أقرب لما كانت طرحته خطة لازار أيام حكومة حسان دياب.
بكل الأحوال، اعتقد ان الحل الواقعي الوحيد هو الحل المبني على التشخيص الصحيح. اذا كان التشخيص منقوصاً لا سيما لجهة الاقرار بواقع الخسائر، فان المعالجات ستأتي منقوصة ايضاً.
لذا أنا افضل الحديث عن اعادة تأسيس قطاع مصرفي جديد وليس إعادة هيكلة القائم. التأسيس من الصفر أو على انقاض ما تبقى من قطاع، لتعود البنوك للعب دورها كوسيط مالي. فاذا بقيت المصارف محملة بخسائر كبيرة، علينا الا نتوقع تدفقات للرساميل اليها والى لبنان ولا أصول جيدة باقية في القطاع كما يعتقد البعض. هل تلك الاصول هي القروض الممنوحة للقطاع الخاص والتي تدفع على سعر 1500 ليرة للدولار؟ وماذا عن النسبة المتعثرة الكبيرة فيها؟
ما الرساميل المطلوبة للقطاع الجديد؟
يصعب تحديد الرساميل المطلوبة بدقة، لكن يمكنني القول ان الحاجة الى ما بين 5 و7 مليارات دولار. اما بالنسبة لعدد البنوك فهذا يعتبر تفصيلاً. الأساس يبقى في عدم السماح بالانفلاش مجدداً على نحو يزيد عن حجم الاقتصاد بأضعاف مضاعفة كما كان الحال سابقاً.
ماذا عن الحوكمة المصرفية الجديدة؟
المشاكل الاساسية كانت في الخلط بين الملكية والادارة، وفي التداخل والتضامن بين الهيئة الناظمة، أي مصرف لبنان، والمصارف، و في لجان منح الائتمان وفي ادارات المخاطر. هذه الادارات الى جانب مجالس الادارات كانت فاشلة، لا بل مجرمة ايضاً. أما المعايير الدولية التي نشأت بعد الازمة المالية العالمية فانها كانت تطبق شكلياً في لبنان.
المشكلة ليست بالنصوص، بل بالخيارات السياسية الرامية الى ترميم القطاع المصرفي للحفاظ على مصالح المصرفيين.
ماذا عن رهان المنظومة على شراء الوقت وعلى الخارج؟
هذا الرهان يحتاج الى واقع جيوسياسي اقليمي مناسب، او لجو اقليمي ملائم كما في التسعينات. هذا غير متوفر حالياً. لا أولوية للبنان في الصفقات والتسويات الاقليمية والدولية. كما ان الحرب في اوكرانيا غيرت اولويات دول مؤثرة، وانكفأت دول كثيرة الى معالجة تداعيات تلك الحرب على اقتصاداتها مع الارتفاع الكبير في اسعار المواد الاولية والنفط. العالم متجه الى موجة إضافية من الركود الاقتصادي بعد الموجة التي سببتها جائحة كورونا.
ما تقييمك لمقولة ان حاجات لبنان قليلة ولا تتجاوز 3 الى 4 مليارات؟
أما الحديث عن ان حاجتنا بسيطة ولا تتجاوز 3 الى 4 مليارات دولار، فذلك يعني شراء وقت لعدة سنوات نقع بعدها في الحفرة مجددا. وسنشبه الارجنتين التي توقفت عن السداد 9 مرات، اي الوقوع في الحفرة ذاتها عدة مرات، مع فارق جوهري هو ان لدى الارجنتين قاعدة انتاجية نفتقدها نحن في لبنان.
في الطروحات أيضا تحويل ودائع الى مساهمات في البنوك (البايل إن).. ما رأيك؟
يجب احترام التراتبية في توزيع الخسائر، وهذا ليس موقفاً ايديولوجياً بل هي افضل الممارسات الدولية. نبدأ بصاحب رأس المال، أي أصحاب المصارف، ثم نأتي لاحقا على اطراف أخرى وفي النهاية نصل الى المودعين مع الأخذ في الاعتبار ان اصحاب الودائع ليسوا افراداً فقط، فهناك صناديق تعاضدية وضمان اجتماعي لمئات آلاف العائلات وهناك حسابات جارية لشركات توظف آلاف العمال والموظفين. لذا نحن لا نتحدث عن ودائع افراد فقط رغم أهمية حجم تلك الودائع. وتحويل ودائع الى اسهم (بايل إن) هو نوع من توزيع الخسائر، لكن يجب الاخذ في الاعتبار المحافظة على طبقة وسطى وعلى المتقاعدين، وعلى ودائع صغيرة او متوسطة لزوم استخدامها في الاستثمار من قبل اصحابها لتحريك الاقتصاد.
اي "بايل ان" يفترض أن يقترن بسؤال أي شكل للقطاع نريد. وهنا أعود مجدداً لتفضيل الدفع باتجاه اعادة تأسيس القطاع وليس هيكلته فقط. تأسيس بنماذج عمل جديدة وادارات جديدة اذا اردنا اقتصاداً جديداً. كما ان تحويل ودائع الى مساهمات سيواجه اعتراضا من اصحاب المصالح المصرفية القائمة خوفاً من انخفاض نسبة ملكيتهم وبالتالي هيمنتهم على اغليبة الاسهم.
سقطت الأسس التي بني عليها الاقتصاد الحالي. لذا فان الحديث عن ترميم القطاع كأننا نقول ان نمط اقتصادنا باق كما هو، وكل ما نحتاجه هو الى بعض الترميم. وهذا خطأ جسيم في التشخيص.
منذ الازمة المالية العالمية نشأت وطبقت ممارسات وفق المنطق الرأسمالي، تقوم اولاً على تغيير ادارات البنوك في عمليات اعادة التأسيس المصرفي. ومن هذا الباب نبدأ استعادة الثقة بالقطاع.
هل ابقاء المنظومة المصرفية على ما هي عليه متعمد؟
نعم متعمد نتيجة العجز عن اتخاذ القرار. والسؤال هو: هل اللاقرار متعمد ام نتيجة عجز بنيوي؟ نحن في نظام سياسي لا يسمح بوجود آليات فعلية لاتخاذ القرار. علما أنه في حالات الانهيار تصبح الحاجة ماسة الى قرارات سريعة وعاجلة.
مصرف لبنان لا يستخدم صلاحياته
يسأل محمد فاعور عن سر عدم استخدام مصرف لبنان صلاحياته لمعالجة الأوضاع المصرفية الشاذة ويقول: لحاكم مصرف لبنان صلاحيات واسعة وقوية وفق قانون النقد والتسليف، إذ لديه صلاحيات كاملة لوضع يده على المصرف المتعثر او المفلس، يغير مجلس الادارة والادارة التنفيذية ويضع البنك تحت ادارته. وسبق واستعملت هذه الصلاحيات عدة مرات سابقاً. لم لا تستخدم الآن؟
تصفية المجتمع جارية على قدم وساق
يتحدث محمد فاعور عن تصفية للمجتمع جارية على قدم وساق عبر الافقار والتهجير الممنهج بتحميل المجتمع خسائر المصارف، ويوضح أنه بالنسبة للودائع، فقد خفت وتيرة اطفاء الخسائر عن طريق السحوبات. لكن اذا بقي هذا الخيار مطروحاً، فان الامر قد يستغرق 10 الى 20 سنة من التصفية البطيئة برأيه. وفي هذه الحالة، يسأل: ماذا عن مصير الناس في هذا البلد؟ ويعتقد أن أمراً كهذا ليس واقعياً الاستمرار به ولا بد من تغيير المسار.
يتركون الاقتصاد يصحح نفسه بأبشع الأشكال
عن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي يقول محمد فاعور إن الصندوق سيفرض أخذ قرارات صعبة سواء اعجبتنا هذه القرارات ام لم تعجبنا. فمن سيكبس زر اتخاذ تلك القرارات وتنفيذها؟ لا أحد. ويضيف: الأسهل بالنسبة لهذه السلطة عدم اتخاذ اي قرار وترك الاقتصاد يصحح نفسه بنفسه بأبشع الأشكال كما يحصل حاليا. في الاثناء، ولتشتيت الانتباه، يمعنون في تبادل الاتهامات.