في المبدأ «لا يوجد حربٌ جيّدة ولا سلامٌ بشع».
عندما حشد بوتين قسماً من جيشه على حدود أوكرانيا، اعتقد معظم المحللين العسكريين أن هدف الرجل هو تحسين شروطه في التفاوض مع جارته. لكن عندما رفع من وتيرة الحشد ودخل إلى الأرض الأوكرانية، أيقن معظم المحللين أن «القيصر» يعيش خارج هذا الكوكب، وهو لا يزال قابعاً في متاريس الإتحاد السوفياتي.
لم يستخلص بوتين أي درس من انفتاح «بطرس الأكبر»، قيصر روسيا قبل 3 قرون، على أوروبا التي كانت تتقدم على روسيا في مجالات عدة، ولا من قناعة غورباتشيف بأن الأمبراطورية التي أسّسها لينين باتت تُهدد مصير الشعب الروسي وتوقه إلى الإنفتاح والتطور ومواكبة العصر. فقد اعتقد بوتين، خلافاً لرأي بعض قادته العسكريين، أن هجوماً خاطفاً على أوكرانيا قد يكون كفيلاً بتدمير آلتها العسكرية الكلاسيكية خلال أيام، فتستسلم كييف للوافد الجديد (المحتلّ) وتوافق على شروطه، ففوجئ بحربٍ بليدة لا يزال مصيرها مجهولاً.
لم يُدرك بوتين أن عصر الحروب الخاطفة والإحتلالات العسكرية للسيطرة على الشعوب أصبحت من الماضي، والبراهين على ذلك عديدة: تجربتان سوفياتية وأميركية في أفغانستان، وتجربة أميركية في العراق، علماً أن تجربة بوتين أخيراً في سوريا لا تخضع لنفس معايير العراق وأفغانستان.
قد يخسر الجيش الأوكراني طائراته ودباباته ومدافعه، لكن الجيش الأوكراني ومعه الشعب يملكان الأرض والمدن والإيمان بالحرّية. وللتذكير، احتلّ الجيش الأميركي العراق بكلفة 98 قتيلاً خلال 3 أسابيع، لكنه خرج من العراق بعد عدّة سنوات بكلفة 5000 قتيل في الرمادي والفلوجة. فمذاهب القتال في الجيوش تتطوّر وتتبدّل كلّ 15 عاماً، خصوصاً في الجيوش الحديثة والمتطوّرة. لكن يبدو أن الجيش الروسي لا يزال يعيش مذاهب قتال عقود الحروب الماضية، في ظِلِّ رئيسٍ لا يزال يحيا في عالم الإتحاد السوفياتي ليرتكب هذه الخطيئة المزدوجة بحق الشعبَيْن الأوكراني والروسي.
لنفترض أن بوتين سوف ينجح في احتلال أوكرانيا (وهذا أمر مستبعد، لأنه وافق على المفاوضات بعد أيام قليلة من الدخول إليها، ما يدلّ على بداية شعوره بفشل حربه الخاطفة، خصوصاً عندما رفع التحدّي علناً وسرّاً إلى السقف النووي للضغط وليس للإستخدام)، فإذا ما نجح في احتلال هذا البلد، فهل يُمكنه السيطرة عليه؟ وإذا سيطر عليه، وبأي ثمن، هل يُمكنه البقاء فيه؟ وإذا بقي فيه، هل يُمكنه دفع ثمن هذا البقاء؟ وكيف سيخرج وبأي ثمن؟
إستمرّت في عصر الإتحاد السوفياتي الحرب باردة بينه وبين الولايات المتحدة الأميركية، لكنها كانت ساخنة بينهما بطريقة غير مباشرة عندما كانت تدور بالواسطة فوق ساحات عدّة. بينما خطورة الحرب الحالية في أوكرانيا أنها تضع وللمرّة الأولى دولة كبرى (روسيا) على حافة المواجهة مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية.
كما تفرز دول العالم بهذا الوضوح في الأمم المتحدة، بين 143 دولة من جهة مؤيّدة للغرب، و4 دول فقط مؤيّدة لروسيا، وحياد بقية الدول. هذا الإنقسام الحاد يرفع من خطورة إمكانية توسُّع الحرب الحالية لتشارك فيها دولٌ كبرى، فتتسبب بتداعيات كارثية على شعوب العالم، خصوصاً إذا ما ارتفع سقف المواجهة وازداد التورط العسكري لكلا الجانبين في هذا الصراع.
الحرب في أوكرانيا تؤثر في اقتصاديات كلّ دول العالم، أوّلاً بسبب وفرة المواد الأولية الإستراتيجية في دولتَيْ روسيا وأوكرانيا، كالنفط والغاز والقمح وبعض المواد المعدنية... ولأنّ لهذه المواد تأثيرها الأولي والأهم في وفرة وأسعار بقية المواد. وثانياً لأن دول العالم وشعوبها باتت تعيش اليوم إقتصاداً مشتركاً ومتداخلاً أكثر من أي وقت مضى، وأي انقطاع أو ندرة في أية سلعة، خصوصاً إذا كانت استراتيجية، سوف تنعكس تغيُّراً جذريّاً في أسعار معظم المواد، وارتدادات سلبية فوق ساحات كلّ الدول.
الصعوبة الكبرى في الأزمة الأوكرانية أنها تقع بين متناقضَيْن:
- فكر بوتين المسكون بـ»عظمة» الإتحاد السوفياتي، وبذهنية تُصعِّبُ عليه التراجع والإعتراف بفشل مشروعه في إخضاع أوكرانيا، والذي قد يقوده إلى الحدِّ الأقصى واستخدام أسلحة ممنوعة دوليّاً، بدءاً بالكيماوي وصولاً إلى النووي، ما يضع الإنسانية كلّها في دائرة خطر الدمار الشامل.
- الصعوبة الثانية هي في رفض الشعب الأوكراني للهيمنة الروسية التي عانى منها كثيراً عبر تاريخه الطويل، وهو مستعدٌّ في المقابل للذهاب إلى الأقصى للتحرّر من هذه الهيمنة. لذلك هو يرفض مقايضة الحرّية بالسلام المغلّف بالهيمنة في عالم يعيش مبادئ الحرّية وتقرير المصير بأبهى حللها.
فالحلول الروسية في أوكرانيا تتراوح وتتدّرج نزولاً من اعتبار أوكرانيا جزءاً لا يتجزّأ تاريخيّاً من الوطن الروسي، يليها نزولاً ضمّ الأقاليم الحدودية إلى روسيا وعلى رأسها شبه جزيرة القرم، نزولاً إلى المطالبة بحكم ذاتي لهذه المناطق، إنتهاءً برفض انضمام أوكرانيا إلى «حلف شمال الأطلسي». وأخيراً حياد أوكرانيا على الطريقة النمسوية أو الفنلندية... أو بحلٍّ مركب من هذه العناصر.
في المقابل تتواجه روسيا برفض أوكراني لكلّ هذه الطروحات، فردية كانت أم مركبة. لذا فكلّ حلم روسي في أوكرانيا هو بمثابة كابوس لهذه الأخيرة، والعكس صحيح. ما يُشكّل حافزاً للأسرة الدولية للإسراع في إيجاد حلٍّ لهذه الأزمة قبل أن تؤثر بتداعياتها الإقتصادية الخطرة على الإستقرار والسلم الدوليَّيْن، أو قبل الوصول إلى المواجهة بين الكبار بخطأ عسكري غير محسوب. فهل تُعطى الأفضلية في كلّ المفاوضات الدائرة لصنع السلام بدلاً من البحث عن المكاسب، لإنقاذ الإنسانية من الكوارث المتوقعة؟