مقابل جامعة السوربون، من الجهة المطلّة على متحف "كْلونيه" المخصّص لفنون القرون الوسطى، ينتصب تمثال من البرونز يمثّل المفكّر الفرنسي ميشال دو مُونتانيْ، ابن القرن السادس عشر. طالعني هذا التمثال أوّل وصولي إلى باريس. كنتُ أرى الطلاّب الذين يفدون إلى الجامعة، من كلّ مكان، يقتربون منه ويلمسون حذاءه عملاً بالإشاعة التي تقول إنّ من يلمسه ينجح في دروسه. في هذه النقطة المحدّدة من التمثال، ولفرط ملامستها، بدا لون البرونز فاتحاً أقرب إلى لون الذهب.
آنذاك، كانت تعنيني، بشكل خاصّ، أنا الهارب من الحرب الأهليّة، معرفة كيف عاش مونتانيْ مرحلة الحروب الأهلية الدينية الشاملة بين الكاثوليك والبروتستانت، وكيف، وبأيّ طريقة، عبَّر عن التطرّف الديني والتعصّب الأعمى. فهو يتطرّق إلى هذا الموضوع في كتابه "المقالات" الذي جمع فيه نتاجه بأكمله، ويؤلّف أحد النتاجات التي أسّست لطريقة جديدة في التفكير وإحدى المحطات المهمّة في تاريخ الفكر الإنساني. فكر محوره الشكّ ودعوة إلى الحرية وإلى التفكير الحرّ، المتحرّك، الذي لا يعرف الجمود.
كان مونتانيْ شاهداً على ذاك الصراع الديني الذي استغرق عقوداً من الزمن، وكان القصر الذي يعيش فيه، في منطقة "البيريغور"، يقع على تقاطع بين الطرفين الدينيين المتنازعين. وقد تحوّلت مكتبته، في الطابق السفلي، إلى ملجأ يحتمي به، لكنه عبّر مراراً عن خوفه من الموت كلّما احتدمت حوله المعارك. أمّا الأهوال التي عاينها فدفعته إلى التشكيك في كلّ شيء بما في ذلك طبيعة البشر وتكوينهم. ورأى أنّ الجرائم التي اقترفها الكاثوليك والبروتستانت، باسم الدين، جعلتهم أكثر توحُّشاً من أكلة لحوم البشر.

كان أحد هواجس مونتانيْ الأساسية تخليص الإنسان من الخرافات ووحوشها الغريبة، ومن الغيبيات التي ينظر إليها البعض بصفتها حقائق علميّة، واعتبر أنّ الإيمان بهذه الغيبيّات هو الذي يمهّد الطريق نحو تقبُّل العبوديّة، وكان رافضاً لكافّة أشكالها هو القائل: "ينبغي ألاّ أكون عبداً إلاّ للعقل". وكم تذكّرنا هذه العبارة بالكلمات التي تلفّظ بها أبو العلاء المعرّي منذ أكثر من ألف عام: "لا إمام سوى العقل".
لقد تحدّث مونتانيْ عن "العقل العامّ" مفصحاً عن تصوّره لدولة لادينية، تقوم داخل كيان سياسي منفصل عن الكيان الديني، وتكون قادرة على استيعاب الانتماءات الدينية المختلفة. وهو تحسُّس أول لمفهوم الدولة العلمانية الديمقراطية. في هذا السياق، التفت أيضاً إلى "خطاب العبودية المختارة" الذي كتبه صديقه إتيان دو لا بُويِسي، وهو خطاب ضدّ الطغيان. تطرح "العبودية المختارة" مسألة شرعية الحكّام، "أسياداً" أو "طغاة"، سواء الذين وصلوا إلى السلطة بالانتخاب أو بالقوة أو بالوراثة. ولاحظ لا بويسي أنّ ما يفسر هيمنة هؤلاء، ليست كفاءاتهم، وهم، في الغالب، بلا أيّ كفاءة، وإنما "استمرار الشعب المستعبَد في احتمال وطأة الاستعباد". وهنا يتحدّث الكاتب عن دور الدين والخرافة كعاملين من عوامل الخضوع، بالإضافة إلى مشاركة بعض المستعبَدين المتملّقين الذين يحملون من يستعبدهم على الأكتاف ولا يبخلون بالدم والروح.
من هنا جاءت دعوة مونتانيْ، كما صديقه لا بويسي، ولاحقاً، فلاسفة عصر الأنوار في القرن الثامن عشر، إلى العلم والثقافة كضرورة ملحّة للخروج من ظلام الجهل والفكر اللاعقلاني والانصياع لغرائز العنف، من أجل التوصّل الى تعايش سلمي بين أبناء الشعب الواحد.
بعض ما عايشه مونتانيْ في القرن السادس عشر يُحيلنا إلى المعاناة التي عاشها ولا يزال يعيشها عدد من الكتّاب والمفكّرين العرب ممّن انخرطوا في قراءة موضوعية نقدية لواقع مجتمعاتهم التي حكمت عليها سلطة سياسية مفلسة بالبقاء خارج العصر. من هؤلاء من اضطُهد أو قُتل، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، علي عبد الرازق وطه حسين وصادق جلال العظم ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة وحسين مروة ومهدي عامل.
لو توفّرت ترجمة جيّدة وصحيحة لكتابات ميشال دو مونتانيْ إلى اللغة العربية، لكان أبناء الضفّة الأخرى من المتوسّط شعروا بأنّ هذا المفكّر الفرنسي معاصر لهم. مع بعض الكتّاب، ومنهم مونتانيْ، يصبح القارئ قريباً وصديقاً، مهما تباعدت الأمكنة والأزمنة.