تولاي بوقداحة

مسلسلات رمضان... بين التلفزيون والمنصّات الإلكترونية

5 دقائق للقراءة
بدأ شهر رمضان المبارك وبالتالي التنافس الضخم في عرض الأعمال الدراميّة العربيّة. وبعدما أصبحت المنصات الإلكترونية منافساً علنيّاً للدراما التلفزيونيّة ولا سيما مع انتشار منصات الدراما وأفلام "نتفليكس"، "شاهد" و"Watch It"، خرجت المسلسلات عن النمط المألوف وتحرّرت من الصورة الجامدة كاسرةً القيود التقليدية المبتذلة المتّبعة في التلفزيون.



أحمد عسر


أثرت ظاهرة المنصات الإلكترونية بشكلٍ كبير دراما الفضائيات التلفزيونية، فجذبت في السنوات الأخيرة قاعدة لا يستهان بها من المشاهدين الذين سئموا كثرة الإعلانات في المسلسلات التلفزيونية مع ما يرافقها من تمديد في أحداث "حبكة القصة" لتتماشى مع عدد الحلقات التي قد تصل إلى الثلاثين. يعلّق الناقد الفنيّ المصري أحمد النبويّ على انتشار المنصات ورواجها قائلاً: "تبقى أحداث الدراما في المنصات سريعة ومحدودة وغير متكررة على عكس المسلسلات الطويلة التلفزيونية"، فيما توضح الناقدة الفنية هنادي عيسى أنّ "المنصات ساهمت في تسهيل عملية كتابة السيناريو حيث يعتمد كاتب الدراما على النمط السريع والديناميكي للأحداث ما يرفع نسبة تفاعل الجمهور العربي"، مؤكدة أنّ "معظم أعمال المنصات الناجحة قصيرة ولا تتعدى البضع حلقات وهذا ما يميّزها ويمنحها القدرة على استقطاب جمهورٍ خاصٍ بها".



هنادي عيسى


المنصات ونمط درامي جديد

قدّمت دراما المنصات العربيّة نمطاً جديداً رافعةً سقف المنافسة بأفكار ومواضيع ومفاهيم فنيّة حديثة تتلاءم مع صورتها المعولمة الرقميّة السائرة على خطى منصة "نتفليكس"، فشغلت مسلسلاتها الرأي العام العربي بجرأتها وكتبت حولها الكثير من الكتابات النقدية.



خالد محمود


ويرى الناقد الفنيّ المصري خالد محمود أنّ "هذه المنصات عدّلت اللغة الدراميّة والشكل الإخراجي واللقطات المستخدمة في الأعمال المقدّمة وأفسحت المجال أمام دخول وجوه جديدة إلى عالم التمثيل فهي لا تخضع للغة الملايين في تعقيداتها ولم تعد محكومة بنماذج معيّنة من الأبطال. كذلك قدّمت المنصات وفي مقدّمها "شاهد" فرصة لاقتحام شركات جديدة سوق المنافسة بأعمال مستقلة ذات طابعٍ حرّ". ويضيف محمود أنّ: "ما يُميّز دراما المنصات هو الإنتاج الخاص الذي شهد تراجعاً بنحو 25% في القنوات التلفزيونية لصالح المنصات، ما جعل اكتساب المنصات رواجاً كبيراً أمراً محتماً. وشجّع ذلك المخرجين السينمائيين على إطلاق أعمالهم على المنصات لحصرها بحلقاتٍ محدّدة تنفّذ بشكلٍ تقنيٍ وفنيٍ عالي المستوى".

بدورها توضح الصحافية والناقدة الفنية التونسية تماضر عيساوي أنّ "مسلسلات المنصات تختلف شكلاً ومضمونًا عن المسلسلات التلفزيونيّة التي سيطر عليها عنصر التشويق والرعب والسيكولوجيا الغامضة. وتتميّز المنصات أيضاً بسيناريو خاصٍ ومختلف مع ظهور موجة من الكُتّاب الذين ينتجون للمنصّات حصراً. أمّا من ناحية الإنتاج الفنيّ والإخراج فقد اعتمد معظم المسلسلات العربية على المنصات على الصورة الغامضة مثلما هو معتمد في مدرسة السينما الروسية".


تماضر عيساوي



هوية دراما المنصات

يكثر الكلام عن هوية المنصات من حيث بلورتها للهوية العربية أو محاولتها تقليد الثقافة الغربية ضمن قالب عربي. فكثيرة هي الأعمال العربية على المنصات المستقاة من أفلام الأكشن والتشويق والأفكار الجريئة الغريبة عن الثقافة العربية، ومنها ما لاقى ترحيباً وآخر انتقد بشراسة لسرقة أفكار مسلسلات لا تشبه مجتمعاتنا. ويقول الناقد الفني المصري أحمد عسر في هذا الصدد إنّ "دراما المنصات تتميّز بجرأة طرح المواضيع وتروّج لأفكار أجنبية تسرق المشاهد العربيّ شيئاً فشيئاً حتى يفقد هويته الاجتماعية الثقافية عبر طرح مواضيع مصوّرة تخضع المشاهد العربي لثقافة أخرى لا تمثّله"، مشبّهاً المنصات بعملية "وضع السم بالعسل، فهي تحمل رسائل درامية موجهة للهوية العربيّة وسيدفع المجتمع العربيّ ثمنها في المستقبل القريب"، جازماً أنّ "المنصّات لا تقدم مواضيع جديدة للمشاهد بل طرقاً فنية إخراجية جديدة". أمّا بالنسبة إلى تماضر فإنّ "مسلسلات المنصات شبيهة أكثر بالمسلسلات الغربية أيّ بمعنى أنّ المواضيع المطروحة فيها هي أكثر عنفاً وجرأةً من دراما الفضائيات وكأنّ الممنوع في التلفزيون أصبح مسموحاً وحرّاً في تلك المنصات ومعظم المواضيع المطروحة هي بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المجتمع العربيّ". ويعتقد الناقد خالد محمود أنّ "المنصات غيّرت في شكل الدراما العام في منافسات رمضان وغيرها، ويشهد الموسم الحالي أعمالاً دراميّة تعرض على المنصات والتلفزيون معاً وبذلك يتضاعف ربح القائمين على هذه المسلسلات".

بدورها تجزم هنادي عيسى أنّ "المنصات لم تلغِ الدراما التلفزيونية التي لا تزال مصدراً أساسيّاً لمسلسلات رمضان خصّيصاً عند الجيل القديم"، مقاربةً إشكالية "توسع المنصات داخل المجتمع اللبنانيّ ولاسيما خلال رمضان الحالي مع سيطرة البرامج السياسيّة المتعلقة بالانتخابات على الشاشات اللبنانيّة وقلّة عرض الأعمال الدراميّة عليها".



احمد النبوي


ويختم أحمد النبويّ قائلاً إنّ: "المنصات لم تنجح في السيطرة الكلية على سوق دراما الرمضانية بعد، رغم استقطابها الكبير المشاهدين ولكن من الطبيعي أن تبسط هذه الدراما سطوتها على السوق بشكلٍ أكبر منافسةً التلفزيون الذي لا يطّور نفسه كما يجب".