جوزيفين حبشي

يا ريت مش هيك... إلتقينا

5 دقائق للقراءة
ملصق المسلسل

من منا نحن اللبنانيين لا يتمنى مشاهدة عمل فني من صميم واقعنا اللبناني الآني؟ من منا لا يتمنى متابعة مسلسل قادر أن "يفش لنا خلقنا" بفضحه طبقات السلطة الفاسدة على حساب أحلامنا، وصفقاتها على حساب أموالنا، وإجرامها على حساب حياتنا وجوعنا وفقرنا ووجعنا؟

كلنا نلتقي على هذه الرغبة، وكلنا تأملنا خيراً في مسلسل "والتقينا" الذي تمّ الترويج له كمسلسل لبناني من صميم واقعنا السياسي الحياتي، يفجّر الثورة على السلطة الحاكمة، ويفضح المستور، ويكشف قضايا الفساد المتغلّل في مؤسسات الدولة، من خلال قصة اجتماعية درامية رومنسية بطلاها شاب وفتاة من عائلتين سياسيتين متناقضتين في المبادئ الوطنية. كلنا تمنّينا، ولكن للأسف... ما كل ما تمنى المُشاهد اللبناني أدركه في مسلسل "والتقينا".


"والتقينا" من إنتاج شركة "مروى غروب" ومحطة MTV التي تعرضه يومياً بعد نشرة الأخبار خلال شهر رمضان. المسلسل عن نص تلفزيوني أول لغادة مهنا كلاس وإخراج مكرم الريّس، وتشارك فيه مجموعة من الممثلين (جهاد الأطرش، وفاء طربيه، ريموند عازار، جان قسيس، وجيه صقر، رولا شامية، جوزف حويك، عصام الأشقر، ربيع الحاج، رودريغ غصن، رين الأشقر، نيكول طعمة، ايلي شالوحي). أما البطولة فلكل من الممثل ميشال حوراني في دور مجد، الابن الثائر للوزير مروان الصايغ (عصام الأشقر) أحد أقطاب المنظومة الحاكمة الفاسدة، والإعلامية نوال بري في دور حلا ابنة الأمير عمر كبارة (جهاد الأطرش) النزيه والمتهم زوراً بعمليات سرقة الآثار، لأنه يحارب المنظومة الفاسدة. وهنا اسمحوا لي أن أقول إن نوال بري (غير المتمرسة أبداً وغير الموهوبة كثيراً في التمثيل) تبدو في أول دور بطولي لها (بعد مشاركة صغيرة في مسلسل "عروس بيروت") الأقل سوءاً (نوعاً ما) بين سائر المقوّمات الضعيفة للمسلسل. هذا مع العلم أنني دائماً مع إعطاء الدور المناسب للشخص المناسب (موهبة وقدرة وتمرساً)، ولكنني أحياناً لست ضد إعطاء الفرصة لوجوه تمثيلية جديدة، قد لا تكون خريجة معهد فنون، ولكنها تملك على الأقل الموهبة والقبول من المشاهدين. وبالعودة إلى "والتقينا"، يؤسفنا فعلاً أن يطغى الضعف على جزء كبير من مقوماته الفنية، إخـراجاً ونصاً وأداءً.




مشهد من المسلسل



أولاً ومن ناحية النص، المسلسل الذي تمنيناه حاملاً قضية محقة هي قضيتنا كلنا، ومنتمياً للغتنا نحن الشعب اللبناني ووجعنا وقرفنا، لم يشف غليلنا. قصة لقاء شابين ينتميان إلى عائلتين سياسيتين على حافتي نقيض بين النزاهة والفساد، جيدة طبعاً (رغم أنها ليست جديدة)، خصوصاً عندما يتمّ وضع الحبيبين في إطار الوضع اللبناني الراهن، مع ما يرافقه من انهيار اقتصادي، وصفقات ومحاصصات وفساد سلطوي، وتدمير لبيروت بعد "4 آب"، واغتيالات لرجالات وطنية (مثل جبران تويني الذي تم رمي اسمه أكثر من مرة في محاولة غير ناجحة لإثارة المشاعر وللدلالة على آنية الأحداث وواقعيتها). ولكن، (للأسف هناك كم كبير من ولكن) النص جاء ثرثاراً بعض الشيء، يعتمد الوعظ والخطابية بشكل مباشر، مع معالجة مسطّحة ومبسّطة، لم تدخل بعد إلى العمق، وظلت في العموميات. إليكم مثلاً واحداً من بين عشرات الأمثال: كان يكفي في الحلقة الأولى أن نرى مجداً ابن الوزير يرشي حلا بمئة يورو ليتخطى الصف ويحصل على كرواسان، لتصلنا الفكرة، من دون "الوعظة" المليئة بالكليشيات المحفوظة عن ظهر قلب عن تصرفات بعض اللبنانيين، والتي عمد النص إلى تشريبنا إيّاها بالملعقة. سبع حلقات مرّت ولا يزال موضوع الفساد يفوش بشكل فضفاض من دون تفاصيل، وكأنه مجرد حجة للقاء البطلين وثورتهما معاً، وتردادهما الشعارات التي يرددها الشعب اللبناني كله.

سبع حلقات مرّت، ولا تزال الأحداث مكانك راوح، تتحرك بثقل وببطء، ومن دون ثقل درامي، في قالب أحداث (بعضها غير منطقي مطلقاً ومفتعل أحياناً ومتوقع غالباً) تلف وتدور في دائرة مقفلة، مع مطوّلات حوارية تشرح لنا خلفيات الأحداث والشخصيات من دون أن نشاهدها (حوار ذكريات حلا وأحمد من جهة، وحوار والدة حلا مع ابنها الأمير آسر حول عائلة أحمد). وهنا تقع المسؤولية على عاتق الإخراج الذي طنش عن الإيقاع، وتغاضى عن تجسيد الحدث بالصورة لصالح النص، ولم يحسن إدارة الممثلين. بدورها بعض الشخصيات النافرة بكاريكاتوريتها المبالغة (فساداً أو نزاهة) لم يقنع، بدليل أننا لم نتعاطف بعد مع أيّ منها. أميرة الإعلام تحتاج لفت خبز في التمثيل، وكان الأجدى إعطاء خبز البطولة للخباز، حتى ولو كانت نوال بري في مجال السلطة الرابعة خبازة جيدة، وأكثر من عايش تداعيات الواقع الذي يعيد تقديمه المسلسل. بدورها رولا شامية الظريفة عادة، تؤدي شخصية أثقلها وجوب لفظ حرف الراء على الطريقة الفرنسية، فضاعت منها التلقائية. وكان الأجدر أن ترسم شخصية الصديقة الفرنسية دنيز معتمدة على أدوات أخرى. هذا مع الإشارة إلى أداءات مقنعة عديدة لممثلين عديدين، نخص بالإشادة كـلّاً من ميشال حوراني وجوزف الحويك وريموند عازار.


صدقاً، كنا نرغب أن نلتقي بـ"والتقينا" بتوليفة أقوى، تفش خلقنا ولا تبقينا على جوعنا. وصدقاً، يؤسفنا ألا نلتقي مع كل القائلين بضرورة التهليل لهذه الأعمال اللبنانية البحت، وعدم "انتقادها" لأنها تُصنع من اللحم الحي، في ظروف سياسية واقتصادية وصحية مأسوية. اعذرونا، ولكن التهليل في غير مكانه نوع من الفساد أيضاً، والنقد البنّاء بهدف التحسين لا يجب أن يفسد في الود قضية. على أمل أن نلتقي على احترام أكثر لعقول المشاهدين، وجدية وعمق أكثر في صياغة وإعداد أعمال لبنانية جديدة.