يحتفل اللبنانيون بمئوية قيام بلدهم بطريقة لم يتوقعها الا الحالمون. فعلى امتداد تاريخ قيام الكيان اللبناني، لبنان الكبير أولاً ثم الجمهورية اللبنانية المستقلة، كان التشكيك بأهلية صمود البلد واستمراره قائماً. في ظل الانتداب الفرنسي أثيرت مسألة الأقضية الأربعة ورفضت نخب طائفية ومناطقية الدولة بحدودها المقرّة، وطالب بعضها بالانضمام الى سوريا، واستمرت طرابلس الشام نموذجاً لعدم قبول الكيان اللبناني الوليد... الى حين التوافق على صيغة الميثاق الوطني ابتداء من منتصف الثلاثينات والتي توّجت بالاستقلال في العام 1943.
معركة الاستقلال استغرقت 11 يوماً بين اعتقال شخصياته وإطلاقهم. تلك الأيام التي يقلّ عددها عن عدد ايّام انتفاضة الشعب اللبناني حتى اليوم بقليل، وحّدت النخب وأجزاء واسعة من الشعب، إلا أن السلطات الوطنية الحاكمة لاحقاً سرعان ما اضاعت معنى الانتفاضة الاستقلالية الاولى ودفعت بالبلد وشعبه مجدداً في طريق تجذير الانقسام الطائفي والمناطقي، في ظل نظام قائم على محاصصة طائفية وزبائنية، عمل على تقسيم الناس مللاً متناحرة، وجعلهم أرضاً خصبة لمشاريع التمزيق الداخلية واللجوء إلى الخارج استقواء من فريق على آخر. وبديهي أن تنبت في تلك الأرض الخصبة كل ما شهده لبنان من انقسامات وحروب واستدراج للخارج، غزواً واحتلالاً، أمعنا بدورهما في سلب اللبنانيين ذلك الشعور الوطني الموحد، ووضعهما الواحد في وجه الآخر بإشراف وتوجيه مباشرين من قيادات طائفية ومذهبية تسعى إلى تأبيد سلطتها على شعب منقسم فاقد للمناعة.
ما فعلته الانتفاضة الراهنة في إعادتها الاعتبار لمعنى الوطنية اللبنانية، هو صفعة لكل المستفيدين من نظام التفتيت والتدجين لابقاء هيمنتهم وتوريثها، وهو كذلك استعادة لمعنى الاستقلال الحقيقي لشعب موحد في دولة قامت قبل مئة عام. انها هبة شعب يحتفل كما يجب بالمئوية الاولى التي أعلنت السلطة انها تستعد لاحيائها. والاجدر بهذه السلطة ان تحول الموازنة المليونية التي رصدتها لاحتفالات الذكرى، الى المتظاهرين أنفسهم، فهم الذين يستحقون بعد ان أعطوا المناسبة معناها العظيم الذي تستحق.