يُقال إن مارلون براندو كان يطبّق مقاربة التمثيل المنهجي، وكلّفت مطالبه المزاجية ميزانية هائلة في فيلم Mutiny on the Bounty (تمرّد على الجائزة) في العام 1962، وأمضى آخر مراحل حياته معزولاً وبديناً على جزيرة يملكها في تاهيتي...
هذه المعلومات مغلوطة برأي ويليام ج. مان في كتابThe Contender:The Story of Marlon Brando (المنافِس: قصة مارلون براندو)، حيث يعتبر أن "معظم من كتبوا سيرة براندو أخطأوا في فهمه".
لاكتشاف قصته الحقيقية، استعان مان بمقتنيات الممثل، فوجد كلماته الخاصة وغير المُعدّلة على شكل نصوص من مقابلات مفصّلة أجراها مع الكاتب الذي عمل على إنجاز سيرته الذاتية.
أضاف مان إلى هذه المراجع القيّمة تفاصيل هائلة استخلصها من أبحاث واسعة. تشبه قراءة ملاحظاته المرجعية في الحواشي ملاحقة أي تحر مجتهد في طريقه إلى كشف مختلف الأدلة الصغيرة والكبيرة في قضاياه. في النهاية، تبدو قصة حياة الممثل الأسطوري ومسيرته المهنية متماسكة وعميقة ومُلهِمة، ولو أنها طويلة أكثر من اللزوم.
لا يستعمل مان أي تسلسل زمني لسرد قصة براندو: "أنا أكشف لحظات محورية من حياته وأتعمق بها قدر الإمكان لفهمه وإدراك طبيعة عالمه، ثم أتراجع وأكشف أحداثاً أخرى على بُعد سنوات".
هذه المقاربة تناسب قصة براندو. بعد انطلاق مسيرته التمثيلية في كلية مانهاتن الجديدة مثلاً، يَصِف مان المواجهة بين الممثل الشاب وإيروين بيسكاتور، مدير الكلية الصارم. يكتب مان أن بيسكاتور كان معلّم مارلون براندو بكل بساطة وكان مثقفاً ولكنته ألمانية.
ثم يعود مان إلى موقف يجمع براندو المراهِق بوالده، وهو رجل سيئ الطباع ومدمن على الكحول كان يبيع كربونات الكالسيوم على الطريق. في منزل العائلة في "إيفانستون"، إلينوي، كان يضرب ابنه ويسيء معاملته، ما أدى إلى تراجع تقديره لنفسه. وحين خرج ابنه يوماً في موعد غرامي، أَمَره بالذهاب إلى الحظيرة ليحلب بقرة. يتذكر براندو أنه لم يملك الوقت لتغيير حذائه المغطى بروث البقر: "انتشرت الرائحة الكريهة في السيارة على طول طريقي إلى مباراة كرة السلة".
ألقى والد براندو بثقله على حياة ابنه، لكنّ والدته دوروثي التي كانت تطمح لتصبح ممثلة أثّرت به بدرجة إضافية. كانت هذه المرأة هشة من الناحية العاطفية وغير اجتماعية ومدمنة على الكحول أيضاً، فحرمت ابنها من حبها تزامناً مع دفعه إلى عالم التمثيل. ثم بدأ براندو سلسلة من العلاقات مع رجال ونساء على أمل أن يجد الحب الذي لم يحصل عليه من والدته. حتى أنه أطلق مسيرته التمثيلية إرضاءً لها.
يكتب مان أن براندو الممثل اعتُبِر بالإجماع "الأعظم" في مجاله، ويدعم هذه الفكرة عبر طرح تقييمات النقاد لأعماله المسرحية والسينمائية. على مستوى الأداء، كان براندو يدرس كل حركة بدقة مدهشة. ولتقديم شخصية "الدون كورليوني" في The Godfather (العراب)، عمل على تعلّم اللكنة التي يستعملها الإيطالي في نيويورك. وفي مشهد موته في Mutiny on the Bounty، عَكَس عبر عينيه نظرة الموت بكل براعة.
تشتق هذه الآثار من ملاحظاته الدقيقة ولا ترتبط بالغوص في حياته وعواطفه. كانت هذه المقاربة الثانية لتجعل منه ممثلاً منهجياً، وهو نهج لم يشأ اعتماده. فضّل براندو أن يحذو حذو أستاذته وصديقة عمره، الممثلة والمعلّمة ستيلا أدلر التي درّبته كي يتّكل على مخيلته.
لكن رغم نجاح براندو الباهر في النسخ المسرحية والسينمائية من A Streetcar Named Desire (عربة اسمها الرغبة) وفي الفيلم المؤثر On the Waterfront (على الواجهة البحرية) في العام 1954، إلا أنه شعر بالإحباط من عالم التمثيل والاستعراض. يكتب مان: "أبعده التمثيل عن مسائل أخرى... مسائل أكثر أهمية بكثير". ثم بدا ثاقب البصيرة بما يكفي كي يهتم بمواضيع اجتماعية وسياسية كان الرأي العام قد بدأ يتعامل معها للتو.
انتقد براندو توسّع صحافة المشاهير، وتحديداً بعدما نشرت مجلة "ساتورداي إيفنينغ بوست" في العام 1962 مقالة غير دقيقة مفادها أن مطالبه في موقع تصوير Mutiny of the Bounty أغرقت ميزانية الفيلم. رفع براندو دعوى ضد المجلة وطالب بتعويض قيمته 5 ملايين دولار. لكن سرعان ما سُوّيت القضية خارج المحكمة مقابل مبلغ أصغر.
كذلك، شعر براندو بالقلق من ظاهرة الاحتباس الحراري منذ مرحلة مبكرة. خلال استراحة من مقابلة تلفزيونية مع لاري كينغ، ألقى محاضرة على مسامع طاقم التصوير بشأن مخاطر انبعاثات أول أكسيد الكربون. كما أنه احتجّ بقوة على مظاهر العنصرية في الولايات المتحدة. وفي العام 1963، نظّم مسيرة لمارتن لوثر كينغ في واشنطن وشارك فيها.
يمكن اعتبار وصف مسيرة براندو كناشط اجتماعي أفضل إنجاز في هذه السيرة، إذ يكشف هذا الجانب من شخصيته أنه كان مؤثراً في الحياة كما في الأفلام.
لكنّ حماسة مان تجاه الشخصية التي يقدّمها لنا تجعله يبالغ أحياناً للأسف، فيكرر نقاطاً أساسية ويدافع عنها مع أنه يؤكد عليها منذ البداية. مع ذلك، تبقى هذه السيرة القيّمة ناجحة جداً!