عيسى مخلوف

شارلي شابلن يهزم الديكتاتور

4 دقائق للقراءة

ظهر شارلي شابلن أمام الجمهور للمرّة الأولى العام 1914، من خلال شخصيته السينمائية المبتكَرة، بسرواله الفضفاض وقبّعته المستديرة المنتفخة وحذائه الرثّ وعصاه. منذ البداية، قطف نجاحاً عالمياً وترك نتاجه أثراً عظيماً في الحياة الأدبيّة والفنية الرائدة. وهذا ما يطمح إلى إبرازه المعرض المقام حالياً في "مدينة الموسيقى" في باريس. أمّا الأثر الذي أشرنا إليه فلقد عبَّر عنه الكثير من المبدعين في النصف الأول من القرن العشرين، ونجد خلاصته في عبارة الفنان التشكيلي مارك شاغال: "يسعى شابلن في السينما ما أسعى أنا إليه في الرسم. قد يكون اليوم هو الفنان الوحيد الذي لا أحتاج معه إلى كلمات".

وعى شابلن التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى مطلع القرن العشرين ورسمَ في أفلامه صورة الإنسان المشرّد، الوحيد، في مواجهة الواقع، من خلال الكوميديا الساخرة ودهشة الفنّ والحلم بما هما أقنعة للنقد والمواجهة. ألم يقل هو نفسه إنه يحبّ المطر لأنّ المطر يخفي أثر الدموع؟ انتصر للحرية ورفض التقاليد والأعراف السائدة، ولم يقبل بالواقع بصفته قدراً ثابتاً يتعذّر تغييره. في فيلمه "الأزمنة الحديثة"، رصد آثار الآلة والتصنيع المتزايد والعمل المُمَكنَن وسيطرة الرأسمالية المنتصرة. كما عايش الأزمة التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في العام 1929 وما نتج عنها من فقر ومعاناة. وكان سبق له أن عاش تجربة البؤس في طفولته ومنها استوحى فيلمه "الصبيّ" الذي كشف لنا كيف يشوّه الفقر القيَمَ والمقاييس.

ناهضَ شابلن الفاشيّة والنفاق الاجتماعي والتراتبية الاجتماعية وكلّ ما يدفع الناس إلى الأسفل ويمنعهم من المقاومة. وعبَّر عن الظلم في أفلام عدّة، لكن صورة الاستبداد تجلّت بالأخصّ في فيلم "الديكتاتور" الذي بدأ تصويره عام 1939، بعد ثمانية أيّام من اجتياح بولونيا من قبل النازيين، وستّة أيّام من إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا. في هذا الفيلم، ثار شابلن ضدّ الديكتاتورية الصاعدة في أوروبا وضدّ هتلر وموسوليني وما تمثّله إيديولوجيتهما من تهديد للسلام ولمستقبل الشعوب. الخطاب الشهير الذي ورد في الفيلم والذي يدعو إلى الأمل والحرّية لا تزال كلماته حيّة حتى اليوم، وجاء فيه: "الديكتاتوريون سينتهون والسلطة التي انتزعوها من الشعب ستعود إلى الشعب". ثمّ يتوجّه إلى الجنود قائلاً: "لا تمنحوا أنفسكم لهؤلاء الطغاة، هذه الأقلية التي تحتقركم وتجعلكم عبيداً وتعاملكم كالقطيع". وختم قائلاً: "أيها الشعب أنت من يملك السلطة، وأنت القادر على جعل الحياة جميلة وحرّة. لنتّحد ونكافح من أجل عالم جديد، عالم إنساني يوفّر فرص العمل للجميع ويؤمّن مستقبل الشبيبة ويوفّر ضمان الشيخوخة. المتسلّطون قدّموا الوعود من أجل الوصول إلى السلطة، لكنّهم كانوا يكذبون. لم يفوا بوعودهم ولن يفوا بها أبداً".

في فيلم شابلن، يتحرّك الديكتاتور المزهوّ بنفسه. بخفّة ينطّ ويهتزّ، ويُطلق ضحكته الرهيبة. ترتاح ملامح وجهه حيناً وتنقبض أحياناً. وحين تحتدم الحماسة في رأسه، يمسك بطابة كبيرة على شكل الكرة الأرضيّة. يقرّبها من عينيه ويتأمّل استدارتها كأنّها عالمه ومُلكه. "عالمي أنا"، يقول. يداعبها برِقّة وحنان. يلاعبها بيديه وقدميه. ثمّ، فجأةً، يقذفها إلى الأعلى ويعاود التقاطها. يُرَقِّصها وينبطح أرضاً ليضربها بقفاه. هذا المشهد ترافقه موسيقى تبدأ خفيفة لتتصاعد شيئاً فشيئاً وتبلغ أقصاها حين تنفجر بين يديه تلك الكرة الأرضيّة التي كان يلعب بها.

نضحك ونحن نرى صورة الطغيان في عينَي شابلن. "لكنّه ضحِكٌ كالبكاء"، وفق تعبير المتنبّي. نضحك ولا ننسى أنّ هذا الديكتاتور الذي لعب في الفيلم كالأطفال كان سبباً لمجازر وأوجاع لا تُحتمَل. وإذا كان هتلر هو المقصود هنا، فإنّ المشهد إشارة إلى جميع أسياد الاستبداد والقهر، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وهم أمامنا الآن، على بعد خطوتين منّا، في لبنان الذي يعيش لحظته التاريخيّة، وفي أرض هذا العالم العربي الذي ينقسم إلى قسمين: الجياع إلى الخبز والحرية والمعرفة مقابل الجياع إلى الدم والمال والسلطة.

فيلم "الديكتاتور" هو أحد أفلام شابلن القليلة الناطقة والتي لا تظهر فيها شخصيّة "شارلو" المشرّدة. في هذه التحفة السينمائيّة، يَسخَر من الطغاة ويُسَخِّفهم ليقول للعالم إنّ القضاء عليهم أمر سهل إذا وُجدَت الإرادة وتَوحَّد في ما بينهم المتضرِّرون. ليقول للعالم أيضاً إنهم ضعفاء وجبناء وتجسيد لحثالة النفس البشريّة.