سامي نادر

تقلّبات الدولار والربح السريع

2 حزيران 2022

02 : 00

ما شهدته سوق القطع في الأيام الأخيرة يدعو للدهشة لا بل مثير للشكوك. هبوط مفاجئ للدولار لم يدم سوى أيام لا يتجاوز عددها أصابع اليد، تبعه ارتفاع بوتيرة سريعة. هبوط ما كان ليتم لولا إعلان مصرف لبنان القاضي بضخ السيولة بالدولار الأميركي من دون قيود عبر منصة صيرفة. أسئلة كثيرة تطرح حول هذا التكتيك الذي أصبح لازمة في أساليب مصرف لبنان. ما كان وقع هذا القرار؟ هل يندرج ضمن السياسات النقدية الكلاسيكية ووفق قواعد الحوكمة المالية الرشيدة؟ من استفاد ومن خسر جرّاء هذا القرار؟ وهل هذه التقلّبات في سعر الصرف مُهندسة عن سابق تصور وتصميم أو أتت بشكل عشوائي، من دون أي وقع يُذكر، كضرب السيف في المياه؟

لنقلها بوضوح لم يكن لهذا القرار الصادر عن مصرف لبنان أي أثر إيجابي، لا على مستوى حماية القدرة الشرائية للمواطنين ولا على مستوى تحصين الأمان الإجتماعي. الدولار عاد للإرتفاع بعد ساعات من الإعلان. المؤسف أن كلفة العملية التي تجاوزت الـ300 مليون دولار في يومين إستنزفت من الاحتياطي.

الأخطر أن هذا الإعلان وفي وضعية تعدد سعر الصرف شكّل محفّزاً للمضاربة والربح السريع. وأفسح الإمكانية لبعض النافذين أو المطلعين أن يبيعوا الدولار على الـ36000 ليرة ليعودوا و يشتروه على سعر المنصة محققين هامشاً ربحياً تخطى الـ35 % لليوم الواحد. من جال على الصرّافين، تبين له أن هناك من قام بهذا النوع من العمليات وبمبالغ كبيرة. والسؤال هل من قام بها واستفاد من تقلبات الدولار كان على علم مسبق بقرار المصرف؟ ألا يستأهل الأمر تحقيقاً أو تدقيقاً أو حتى مساءلة من قبل أجهزة الرقابة المالية وخاصة من قبل المجلس النيابي الجديد؟

أما المصارف فارتأت هي أيضاً أن تقتنص حصتها من هذه الهدية المجانية أو هذا "الفائض" من السيولة، فراحت تفرض عمولات وقيوداً على عمليات شراء وبيع العملة الخضراء بلغت نسباً خيالية. هكذا إمتصت من المصدر قسماً من أرباح المضاربة. وهكذا وباختصار إنتهت عملية الضخ التي أرادها مصرف لبنان لكبح جماح الدولار بمضاربات توزعت أرباحها بين المضاربين والمصارف.

وتباعاً لماذا قام مصرف لبنان بهذه العملية التي لم تلجم الدولار سوى لساعات؟ صحيح أن هذا النوع من التدخلات في سوق القطع كان يقوم به مصرف لبنان في السابق لامتصاص الليرة بهدف تأمين رواتب الموظفين في القطاع العام. ولكن آثارها السلبية كانت شبه معدومة على الإقتصاد وعلى المواطنين. اليوم الأمر اختلف، ثلثا اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر، وأركان الإنتاج والحماية الإجتماعية تنهار، هؤلاء هم من يتحملون أعباء هذه المضاربات.

في السابق كانت هذه التقنيات التقليدية للمصرف المركزي تتم تحت سيطرته التامة من دون أي تدخل أو هامش ربح لطرف ثالث وفي ظل توحيد لسعر الصرف يحول دون المضاربات. أما اليوم فتعدد أسعار الصرف، وانتكاسة المصارف واقتصار نشاطها على حفنة من الخدمات والعمولات، أفسحت المجال أمام مضاربات لا تخلق أي قيمة مضافة لا بل تساهم في تدمير الثروة الوطنية. المضاربة والربح السريع ، أينما حلّا في العالم يفتحان الأنظار ويطرحان أسئلة مشروعة، ليس أقلها، هل من كان على علم مسبق بقرارات المصرف المركزي وتوقيتها تحضّر لها؟. الله عليم... على كلٍّ السؤال برسم النواب الجدد.