رفيق خوري

الثورة و"أجندات" تلاميذ ماكياڤفيللي

9 تشرين الثاني 2019

13 : 41

ليس الضباب السلطوي سوى جزء من الرد على وضوح الرؤية الشعبية. ولا نهاية للمفارقات في المشهد التراجيدي – الكوميدي، السوريالي: الثورة الشعبية السلمية تتوسع وتطور أشكال الحراك، والسلطة تراوح في المكان. لبنان يشهد نوعاً من "الإنقلاب" في النظام المالي والإقتصادي نحو الأسوأ على طريقة الأنظمة الشمولية من دون أي انقلاب في سياسة الهرب من المسؤوليات. الذين يطالبون الثوار بتحرير السلطة من سطوتهم وغطرستهم هم الذين يتولون تأليف الحكومة. القاسم المشترك بين مطالب الشارع، وهو خيار حكومة إنقاذية للبنان، يقابله الحرص على حكومة تنقذ مصالح المتحكمين بالمال والسلطة. وليس قدر لبنان تصوير الخيار، خدمة لحسابات أصغر وأخرى أكبر من الوطن الصغير، بأنه إما حكومة "المحور الإيراني" وإما حكومة "المحور الأميركي – السعودي".

ذلك أن من الصعب الأخذ بخطاب أهل السلطة عن إصغائهم لأصوات الشارع والإيحاء أن مطالب الثوار هي مطالبهم أصلاً. فلا سلطة تحمي ثورة وتطبق مطالب ثورة وتقدم حتى القليل من دون أن تفقد مواقعها. ولا ترجمة عملية للإعتراف بأن للحراك "مطالب محقة"، على ألسنة الذين يتصرفون كأن السلطة "حق إلهي" أعطي لهم على جبل الأولمب. فالتحذيرات من الذهاب إلى "الأسوأ والإنهيار" حسب البنك الدولي، وخفض التصنيف الإئتماني للبنان، والمناشدات الدولية للإسراع في تأليف حكومة تبدأ ورشة الإصلاحات، لم تبدل شيئاً في سلوك أهل السلطة. وهي كلها أقل تعبيراً عن الواقع الناطق الملموس المأسوي والمأزوم الذي دفع الناس إلى الثورة من دون أي تأثير على الحسابات الداخلية والخارجية للممسكين باللعبة.

و"البلدان التي تحتاج إلى أبطال ليست محظوظة"، كما قال برتولد بريشت. فالبلد المحظوظ هو الذي يتولى أموره رجال عاديون، لا أنصاف آلهة. وهذا ما انطبق على تونس. إذ تقول سارة يركس من مؤسسة كارينغي في مقال نشرته "فورين أفيرز" إن "المرحلة الإنتقالية في تونس كان يمكن أن تفشل العام 2013 لو لم يضع قائدان هما الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي الديموقراطية والتعددية قبل طموحاتهما السياسية". ولا شيء يوحي، حتى إشعار آخر، أن أصحاب السلطة الفعلية يضعون حماية المصلحة الوطنية وضمان حقوق المواطنين قبل "أجنداتهم" الضيقة والواسعة.

أليس أقل ما كشفته الثورة هو التناقض بين الخطاب والموقف الحقيقي لكثير من المسؤولين الذين يطبقون نصيحة ماكياڤيللي في كتاب "الأمير": "فضائل الأمير يجب أن تكون واضحة ومرئية، لا حقيقية"؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.