إيان بريمير

الحرب الباردة الجديدة قد تسخن قريباً

17 حزيران 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 05

الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينكسي متوسطاً وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن ووزير الدفاع لويد أوستن
خلال الأسابيع العشرة التي تلت بدء الهجوم الروسي ضد أوكرانيا، تصاعد التوتر بين روسيا والدول الغربية أكثر من أي مرحلة سابقة منذ أزمة الصواريخ الكوبية. اتّهم الرئيس الأميركي جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب "إبادة جماعية"، واعتبره "مجرم حرب"، وأعلن أنه "لا يستطيع البقاء في السلطة". وقال وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، إن الولايات المتحدة تحاول اليوم "إضعاف روسيا" لدرجة أن تعجز عن تهديد جيرانها، واعتبرت وزيرة الخارجية البريطانية، ليز تراس، الحرب في أوكرانيا "حربنا". كان قادة أوروبيون آخرون أكثر حذراً في اختيارهم للكلمات لكنهم أوضحوا في مطلق الأحوال معارضتهم للعدوان الروسي. قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بعد زيارة بلدة "بوتشا" في بداية شهر نيسان: "الوضع مشين. لا يُصدّق. صادم". أدى هذا الصراع المستجد إلى وضع أعضاء الاتحاد الأوروبي في حالة من التأهب العسكري وشدّد على مخاطر اتكال أوروبا على روسيا في قطاع الطاقة. لقد تلاشت الشكوك حول استعداد بوتين لاستعمال القوة واستخدام التجارة كسلاح بحد ذاته، وتلاشى معها التردد في الترحيب بأوكرانيا داخل الاتحاد الأوروبي. نشر الناتو آلاف القوات العسكرية الجديدة بالقرب من الحدود الروسية، ومن المنتظر أن يضم الحلف فنلندا والسويد إلى صفوفه قريباً. في غضون ذلك، غيّر القادة الروس إطار الحرب وحوّلوها من "عملية خاصة" ومحدودة "لتحرير" أجزاء من شرق أوكرانيا إلى صراع وجودي شامل ضد الناتو. اتّهم بوتين الولايات المتحدة وجهات أخرى بمحاولة "تدمير روسيا من الداخل"، وهدّد القادة الروس في مناسبات متكررة باستعمال الأسلحة النووية ضد أي بلد يجرؤ على التدخل في الصراع.

تفرض هذه التطورات مُجتمعةً واقعاً جديداً وخطيراً. لقد انتهت الأيام التي اقتصرت فيها أهداف الحرب الروسية على "اجتثاث النازية ونزع الأسلحة" من أوكرانيا. ولم تعد الظروف تسمح للولايات المتحدة والحكومات المتحالفة معها بالاكتفاء بمساعدة أوكرانيا على الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها. تجاوز القادة على طرفَي الصراع سلسلة من الخطوط التي يصعب التراجع عنها الآن. نتيجةً لذلك، نشأت حرب باردة جديدة بين روسيا وخصومها: قد لا تكون هذه الحرب عالمية بقدر ما كانت عليه خلال القرن العشرين، لكنها أقل استقراراً منها ولا يسهل توقّع تطوراتها.

على عكس ظروف الحرب الباردة الأصلية، أصبحت الولايات المتحدة اليوم أكثر دولة مفككة ومنقسمة سياسياً في مجموعة الدول الصناعية السبع. يُجمِع الديمقراطيون والجمهوريون الآن على أن الأوكرانيين يستحقون الأسلحة والروس يستحقون العقوبات، ويوافق الحزبان معاً على ضرورة أن تتجنب الولايات المتحدة أي مواجهة مباشرة مع موسكو، لكن لن تدوم هذه الوحدة السياسية الداخلية طويلاً. مع اقتراب الانتخابات النصفية، من المتوقع أن يتطرق الجمهوريون إلى تحليق أسعار الغاز ووصول التضخم إلى مستوى قياسي، تزامناً مع تصوير بايدن كزعيم ضعيف وغير مستقر والسبب في "خسارة أوكرانيا". في المقابل، سيحاول الديمقراطيون ربط الحزب الجمهوري بمواقف الرئيس السابق دونالد ترامب الذي أبدى إعجابه ببوتين وشكّك بفاعلية حلف الناتو. حين يلاحظ الأوروبيون تجدّد هذه المناوشات الحزبية المريرة في الولايات المتحدة، من حقهم أن يتساءلوا حول احتمال تغيير المقاربة الأميركية تجاه روسيا والتحالف العابر للأطلسي بعد الانتخابات المرتقبة، لا سيما إذا ترشّح ترامب للرئاسة عن الحزب الجمهوري مجدداً في العام 2024.

أما بايـــــــدن، فهو لم يعتبر الصراع في أوكرانيا محاولة معزولة لخوض حرب عدائية، بل اعتبره "معركة بين الديمقراطية والاستبداد". لا يحبذ الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التوصيف، ومن الطبيعي أن ترفض الصين أي جهود هدفها إخراج روسيا من مجموعة العشرين. خلال قمة المجموعة في تشرين الثاني المقبل، يجب أن يختار بايدن وحلفاؤه بين الجلوس على الطاولة نفسها مع حكام مستبدين مثل بوتين وشي جين بينغ، أو إضعاف مجموعة العشرين تزامناً مع زيادة التهديدات العالمية التي تتطلب خطوات جماعية (التغير المناخي، الأوبئة، انتشار التقنيات التخريبية...). سيكون احتمال تفكك التعاون متعدد الأطراف أكبر تهديد على النظام العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

على صعيد آخر، قد تصبح هذه الحرب الباردة الجديدة أكثر خطورة من نسختها السابقة لأن روسيا تبدو أكثر ميلاً إلى خوض حرب سيبرانية مدمّـرة. رغم غياب التكافؤ بين موسكو وواشنطن من حيث مقاييس القــوة التقليدية، تستطيع أفضل الأســلحة الرقمية الروسية أن تزعزع الاستقرار أكثر من الصواريخ النووية التي هددت الولايات المتحـدة وأوروبا خلال الثمانينات. قد لا تقتل الأسلحة السيبرانية الناس فوراً، لكنها تبقى مدمّرة جداً كونها قادرة على إحداث أضرار كبرى في الأنظمة المالية وشبكات الكهرباء والبنى التحتية الأساسية. الأهم من ذلك هو أن الدول باتت تميل إلى استخدام الأسلحة السيبرانية أكثر من أسلحة الدمار الشامل الأخرى، نظراً إلى سهولة تصنيعها وإخفائها وصعوبة التصدي لها واستحالة ردعها.

في ظل احتدام الحرب الباردة الجديدة، يجب أن يفكر القادة إذاً بتدابير السلامة المُصمّمة لمنع تحويل هذا الصراع إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو. بعد أزمة الصواريخ الكوبية التي كادت تطلق حرباً نووية مثلاً، ابتكر القادة الأميركيون والأوروبيون والسوفيات أنظمة الحماية من الفشل (اتفاقيات للحد من التسلح مثل "معاهدة القوى النووية متوسطة المدى"، وتدابير أخرى لبناء الثقة مثل اتفاقيات "الأجواء المفتوحة") لمنع أي حروب بالوكالة من إطلاق حرب عالمية ثالثة.

لكن لا تتماشى أي نسخة من "معاهدة القوى النووية متوسطة المدى" مع العصر السيبراني اليوم، ولا ينذر أي مسار بالتفاوض على اتفاق مماثل وتنفيذه. في الوقت نفسه، تتراجع الثقة بين الرئيس الروسي والحكومات الغربية، ويصعب أن نتخيّل طريقة معيّنة لبناء ما يكفي من الثقة وابتكار قوانين ومؤسسات جديدة. أصبح مجلس الأمن في الأمم المتحدة متصدعاً بدرجة يصعب إصلاحها. وفي ظل غياب أي بدائل واقعية في الأفق، لا يمكن أن يُحقق أفضل القادة شيئاً باستثناء متابعة الحوار، بكل صدق واحترام، حول الفرص المحتملة للحد من الأضـــرار المتسارعـة التي تنذر بها المواجهة الروسية الغربية على مستـوى العالم. حتى الآن، يتعامل المجتمع الدولي مع حربٍ تخلو من أي آليات متّفق عليها للحد من توسّعها.

مع ذلك، يظن القادة الأميركيون والأوروبيون أنهم يستطيعون أن يمنعوا خروج الصراع عن السيطرة. هم يتابعون فرض أقسى العقوبات على الإطلاق، ويرسلون أسلحة فتّاكة إلى كييف، ويتقاسمون المعلومات الاستخبارية في الوقت الحقيقي مع الجيش الأوكراني، ويشجّعون على توسيع حلف الناتو، ويناقشون مستقبل أوكرانيا في أوروبا. يتكلم هؤلاء القادة وكأن رفضهم لإرسال قوات الناتو إلى الأراضي الأوكرانية أو فرض منطقة حظر جوي يحدّ من مخاطر الرد الروسي. لكن يضع بوتين هذه الخطوات كلها في خانة "أعمال الحرب" أصلاً. قد يستفيد الأميركيون وحلفاؤهم من تطبيق هذه السياسات، وربما لا تملك روسيا بعد القدرة على الرد بقوة حاسمة، لكن يصعب أن يمنع أحد تصعيد القتال وتحويله إلى صراع شامل كلما طالت مدة الحرب.

وحتى لو اقتنع بوتين بإنهاء هذه الحرب عبر اعتبار استيلائه على أراضٍ محدودة في شرق أوكرانيا انتصاراً تاريخياً لروسيا، لا يمكن العودة إلى الاستقرار النسبي الذي كان سائداً قبل 24 شباط. ستكون الحرب الباردة الجديدة مفتوحة، ما يعني أن تبقى روسيا مثقلة بعقوبات الحلفاء الغربيين إلى أجل غير مُسمّى، وتحافظ على علاقات تجارية محدودة مع أوروبا لتشجيع المعسكر الآخر على ضبط النفس. كذلك، من المتوقع أن يختبر بوتين المُهان قوة تحمّل الناتو. قد تستهدف روسيا مثلاً قوافل الأسلحة الغربية ومراكز التدريب ومستودعات التخزين في أوكرانيا. وقد تطلق هجمات سيبرانية محدودة ضد البنى التحتية المدنية الأميركية والأوروبية، وتكثّف حملات التضليل لتخريب الانتخابات المرتقبة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. حتى أنها قد توقف إرسال إمدادات الغاز إلى بلدان أوروبية إضافية وتُقيّد صادرات السلع الأساسية. في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، قد يتعرض قادة الناتو لضغوط هائلة للرد على هذه الاستفزازات، فيجازفون حينها بتصعيد الصراع على نحو خطير.

أخيراً، قد تزيد مخاطر تصعيد الوضع إذا خسر بوتين إقليم "دونباس" واستحال عليه أن يعلن انتصاره محلياً. إذا تحقق هذا السيناريو، قد تفكر موسكو باستعمال أسلحة كيماوية لتغيير مسار الوضع، أو ربما تهاجم منشآت الناتو في بولندا. في هذه الحالة، قد يردّ القادة الأميركيون والأوروبيون عبر إطلاق ضربات مباشرة ضد مواقع روسية في أوكرانيا أو عبر فرض منطقة حظر جوي. كذلك قد تكثّف واشنطن حملة العقوبات، ما يعني وقف تدفق الغاز إلى أوروبا فوراً. سيميل كل طرف حينها إلى إطلاق هجمات سيبرانية مدمّرة ضد البنى التحتية الأساسية التابعة للطرف الآخر. في هذه الظروف، لن يبقى استعمال الأسلحة النووية أو انتشار قوات الناتو خياراً مستبعداً. من دون فرض تدابير الحماية المناسبة، لا أحد يستطيع توقّع نتائج هذا المنطق الجديد.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.