لا تحتاج إلى رحلة، لكي تتأكد من أن العامية، بل العاميات، هي لغة التكالم اليومية أينما كان في العالم العربي.
يكفي أن تستمع إلى أغنيات، إلى محاورات تلفزيونية، وأن تتفرج على أفلام ومسلسلات وغيرها.
بل يمكن التحقق من تعالي نسبة العامية في راهن المجتمعات...
أنا، في هذا، أصف، ولا أحكم.
إلا أن ما يستوقفني، في صورة مزيدة، هو قلة الدرس للغةِ التكالم، والتي باتت تتوكل بجانب كبير من الإنتاج الثقافي. حتى ان كثيراً من المتابعين اختاروا شعر مظفر النواب العامي (وأنا منهم) على شعره الفصيح، إثر وفاته مؤخراً...
هذا الغياب للدرس يتناول مقومات العامية بجميع مستوياتها، من نطقها إلى لفظها، إلى معجمها، إلى بنائها، بلوغاً إلى تجلياتها في العبارة الأدبية.
هذا التجاهل، هذا الإهمال، قديم... للغاية.
فما بلغنا عن الحقبة الجاهلية لم يُشِر إلى عامياتها أبداً، بل إلى "لغات القبائل"، التي اعتُبرت "فصيحة" بكاملها (أو متفاوتة الفصاحة).
هذا ما لم يتمّ درسه بشكل كاف ومقنع، بل أسقطَ البحثُ تماماً الحال (بل الأحوال) اللغوية لما قبل التنزيل القرآني.
هكذا جرى الحديث عن "لَحْن" (أو زيغ في اللسان) إثر عمليات "الفتح"، بفعل ابتعاد المولودين العرب عن مواطن الفصاحة في شبه الجزيرة العربية، وبفعل انتساب غير العرب إلى المجتمع الجديد والناشئ.
هكذا تمّ "تفصيح" عربيةِ ما قبل التنزيل، بل جرى "تنزيهها" تماماً عن أي تشوه...
كان على العربي أن يقبل ويقرّ بهذا على مدى قرون من دون فحص إلا القليل...
مع ذلك يكفي أن نقرأ في بعض كتب الجاحظ عن اللغة "النبطية"، المتمادية حتى في العصر العباسي...
يكفي ان نعود الى "الشعر النبطي" نفسه، اليوم، في مجتمعات الخليج، لكي نتأكد من أنه ينبني وفق أوزان لا تعود إلى بحور الخليل في العروض...
يكفي أن ندقق في هذا الإرث النبطي: هل يمكن ألا يكون جزءاً من اللغة والثقافة النبطيتَين اللتين ترجع إليهما العربية (فضلاً عن السريانية) في عصور ما قبل العهد الإسلامي؟
أليست "الفصاحة"، في حد ذاتها، نوعاً من التمييز بين لغة "عالية"، رفيعة، للخاصّة تحديداً، وبين لغة ركيكة، مهلهلة، متروكة للعامّة تحديداً؟
هذا الإعلاء للغةٍ لا يعدو كونه تبخيسَ لغة أخرى.
كما لو اننا نمدد الخلاف القديم، فيما يبقى قسم بالغ من مجتمعاتنا خارج اللغة، خارج الثقافة، خارج الدرس.