كريغ سينغلتون

أزمة ثقة في الصين

22 حزيران 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 05

أمام سفينة شحن في ميناء صيني
ماذا لو انتهت حقبة المنافسة الجديدة بين القوى العظمى قبل أن تبدأ؟ ترتكز معظم المخاوف الراهنة من نشوب صراع متعدد الأجيال مع بكين على تحليلات عامة لبيانات حقبة غابرة، حيث بدت الصين في طريقها إلى استبدال الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم. لكن تشير أدلة متزايدة إلى عدم جهوزية الصين لخوض منافسة حقيقية مع الولايات المتحدة حتى الآن. بدأ الاقتصاد الصيني يتراجع منذ وقتٍ طويل، لكنه يتجه إلى سقوط حر اليوم بسبب سوء إدارة الرئيس الصيني شي جين بينغ. خلال هذه السنة، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة أسرع من الاقتصاد الصيني للمرة الأولى منذ العام 1976، وتكثر المؤشرات التي تنذر بدخول الصين حقبة مطوّلة من تباطؤ النمو. أكثر ما يثير الدهشة هو تخلي الرئيس عن خططه الطموحة بإصلاح نموذج النمو الصيني، في محاولة منه لاسترجاع وضع مالي مستقر، لكنه يفضّل في هذه الحالة أن يتمسك بالسياسات الاقتصادية التي أوصلت الصين إلى الاضطرابات الاقتصادية الراهنة.

تحمل مواقف شي جين بينغ المتبدّلة دلالات كثيرة، فهو يثبت أنه لا يثق بخططه الخاصة لتحويل النموذج الاقتصادي الصيني غير المستدام إلى اقتصاد قادر على تحقيق وعد الحزب الشيوعي الصيني بتسجيل نمو "عالي الجودة". في الوقت نفسه، قد يؤدي تعثر المعجزة الاقتصادية الصينية قريباً إلى إضعاف قدرة الحزب الشيوعي على إطلاق صراع متواصل لفرض هيمنته الجيوستراتيجية. هذا الوضع يطرح سؤالاً محيّراً: بدل أن تكون الصين واحدة من الجهات المتنافِسة، ماذا لو أصبحت عاجزة عن تحمّل كلفة المنافسة كلها؟

يبدو أن زمن الصعود الصيني المبهر، الذي ينجم عن تسجيل نمو سنوي أعلى من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، انتهى اليوم. بدأ الاقتصاد الصيني يتراجع منذ سنوات بسبب شوائب متعددة مثل فرط الاستثمارات المزمن، وأعباء الديون الهائلة، وانكماش اليد العاملة، فواجه القطاع المالي الصيني ضغوطاً هائلة نتيجةً لذلك. لكن زادت هذه النزعات المنهجية سوءاً، وبشكلٍ لا رجوع فيه على الأرجح، بسبب طريقة تعامل الصين الكارثية مع جائحة كورونا، فقد أصبح الإقفال التام أسلوب حياة دائم نظراً إلى غياب اللقاحات المحلية الفاعلة وعدم استعداد الحزب الشيوعي الصيني للمصادقة على اللقاحات الغربية وشرائها. حتى الآن، أدت تدابير احتواء الوباء التي طبّقها الحزب الحاكم إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتحليق مستوى البطالة، وهرب الرساميل، وانهيار العملة المحلية.

من المتوقع أيضاً أن تضطرب الجهود الرامية إلى تجديد استقرار الاقتصاد الصيني بسبب تدهور البيئة الخارجية، فقد حذر البنك الدولي من حصول تضخم مصحوب بركود اقتصادي، بما يشبه ما حدث خلال السبعينات، ومن تراجع الطلب العالمي على الصادرات الصينية التي تبقى أهم محرك للنمو الصيني. في غضون ذلك، لا يزال الاقتصاد يتّكل على كمية كبيرة من واردات الوقود والحبوب وسلع أخرى زادت أسعارها بدرجة هائلة. بدأت القيود المفروضة على نقل التكنولوجيا الغربية تؤثر على الوضع أيضاً. وتتعلق مشكلة أخرى بزيادة الإحباط في أكبر الأسواق الصينية (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) بسبب دعم شي جين بينغ للغزو الروسي ضد أوكرانيا. وبدأت شركات متعددة الجنسيات، مثل "آبل"، تنقل سلاسل إمداداتها منذ الآن إلى جنوب شرق آسيا ومناطق أخرى تُعتبر أكثر استقراراً، ويتجه المغتربون إلى التخلي عن البلد تزامناً مع رحيل خرّيجي الجامعات جماعياً. باختصار، بدأ زمن هجرة الأدمغة في الصين.

حتى الآن، عرض شي جين بينغ بعض الأفكار الجديدة لمعالجة أزمة الصين، مع أن مرؤوسيه يدعون إلى "التحرك بشكلٍ حاسم" لتجنب انهيار الوضع المالي. لكن يراهن الرئيس الصيني في المقام الأول على تدعيم البنى التحتية لتحسين الاقتصاد: إنها المقاربة التي أجّجت فقاعة الديون الراهنة في الصين، ورسّخت فائض الطاقة الصناعية، وأنشأت مجموعة كاملة من مدن الأشباح التي تشمل شققاً غير منجزة. لكن من المستبعد أن تُحفّز هذه الاستثمارات الاقتصاد الصيني لأنها تُركّز على دعم أقل الأجزاء إنتاجية في الاقتصاد، بما في ذلك القطاع الحكومي. زاد الوضع سوءاً حين امتنع شي جين بينغ عن عرض إعانات كافية على المستهلكين الصينيين، فركّز جهوده على زيادة الاستهلاك المحلي، وتقليص مظاهر اللامساواة، وتخفيف اتكال الاقتصاد على الصادرات والاستثمارات غير المُنتِجة. كان المستهلكون جزءاً لا يتجزأ من حملة تعافي الصين من الوباء في العام 2021، لكن زادت مخاوفهم اليوم من خسارة وظائفهم ومداخيلهم بسبب فترات الإقفال التام اللامتناهية.

في الوقت نفسه، اختفت مبادرات الرئيس الاقتصادية بشكلٍ متلاحق من الصفحات الأولى للصحف الصينية المملوكة للدولة، بما في ذلك دعمه للازدهار المشترك الذي يهدف ظاهرياً إلى تخفيف مظاهر اللامساواة الفادحة عبر منح الصينيين العاديين حصة متزايدة من ثروات البلد. حُذِفت أيضاً الخطط المرتبطة بفرض ضريبة على الأملاك لإبطال فقاعة العقارات الصينية التي سمحت للنخبة الحاكمة بجمع ثروات طائلة. كذلك، تكلم المنظمون الصينيون عن إنهاء حملة القمع التي أطلقها شي جين بينغ ضد شركات التكنولوجيا العملاقة الصينية لأن نفوذها المتزايد لطالما اعتُبِر تهديداً على سلطة الحزب الشيوعي الصيني. لكن يفضّل المستثمرون الأجانب توخي الحذر حتى الآن بعدما خسروا مليارات الدولارات التي استثمروها في قطاع التكنولوجيا الصيني بسبب سياسات شي. فيما تحذر بنوك غربية كثيرة اليوم من تفوّق المخاطر التنظيمية للاستثمارات في الصين على منافعها المحتملة، قد لا يهبّ هؤلاء المستثمرون لإنقاذ بكين.

قبل أشهر قليلة على بدء ولاية شي جين بينغ الثالثة وتتويجه كأمين عام للحزب الشيوعي الصيني، بدأ المسؤولون المعنيون بالنمو الاقتصادي داخل الحزب، مثل رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ، يحرّضون الآخرين ضد الرئيس وكل من يهتم بأمن النظام وفرض سيطرته داخل الحزب، من أمثال نائبَي رئيس مجلس الدولة هان تشنغ وهو تشونهوا. قد تهدئ مشاريع شي المواطنين وتحذرهم من التشكيك بسياسة "صفر إصابات" لمكافحة أزمة كورونا، لكن يرفض لي كه تشيانغ في المقابل دعم تلك السياسات ويتكلم عن وضعٍ "معقد وخطير" في الصين. تبدو هذه البيئة السياسية المنقسمة، حيث تتعارك الجماعات الإيديولوجية والتكنوقراطية لكسب النفوذ، مشابهة على نحو مريب لآخر مرحلة من عهد الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.

كما حصل في تلك الحقبة، قد ينتج الصدام المحتدم داخل الحزب اليوم فريقَين من الرابحين والخاسرين. حتى الآن، يشمل الفريق الخاسر على ما يبدو الرئيس شي جين بينغ، إذ من المتوقع أن يضطر لتقديم تنازلات كبرى على مستوى التعيينات، خلال مؤتمر الحزب الوطني العشرين في الخريف المقبل، لتلقي الدعم الذي يحتاج إليه للفوز بولاية ثالثة. وعلى مر الفترة المتبقية من العام 2022، ستبقى التحديات المحلية المتفاقمة في الصين على رأس أولويات الحزب الحاكم، وتتطلب معالجتها حصة متزايدة من موارد الصين الاقتصادية. نتيجةً لذلك، قد تبقى الاضطرابات بين الولايات المتحدة والصين خافتة، على المدى القصير أو المتوسط على الأقل.

لكن من الأصعب أن يتوقع أحد طريقة تأثير معركة الصين لكسب الموارد والنفوذ على أصحاب المصلحة المحليين. للمرة الأولى منذ فترة، ستضطر المؤسسات المملوكة للدولة، والحكومـــات المحلية والإقليميـة، والشركات الخاصــة، والمواطنون الصينيون للتنافس على حصة من الأرباح رغم توقّف نموها. نتيجةً لذلك، سيكون تمويل المقايضات ضرورياً، حتى تلك التي يصعب تصوّرها حين يقترب النمو السنوي الصيني من نسبة 10%. تتطلب هذه المقاربة أيضاً تقليص الاستثمارات الراهنة والمُخطّط لها لتطوير قدرات فرض السلطة الصينية، على المستويين المدني والعسكري.

سبق وتراجعت قروض التنمية الصينية الصادرة (أداة أساسية كي توسّع بكين علاقاتها في أنحاء آسيا وأفريقيا) بنسبة 96% في السنوات الأخيرة، من 75 مليار دولار في العام 2016 إلى 4 مليارات تقريباً خلال فترة الجائحة. كذلك، تراجع متوسط القيمة الإجمالية للمشاريع المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق إلى أقل من 81 مليار دولار في العام 2020، بعدما بلغ 255 ملياراً سنوياً بين العامين 2010 و2019. قد تتحسّن هذه الأرقام قليلاً، لكن سيواجه صانعو السياسة الصينية صعوبة في تبرير كامل النفقات تزامناً مع تعثر الاقتصاد الصيني.

تبرز الحاجة أيضاً إلى القيام بمقايضات مشابهة في بعض جوانب الإنفاق الدفاعي الصيني. في بيئة الموارد المتنازع عليها، لا مفر من أن تنشأ الاضطرابات بين الجيش والقوات البحرية وجهاز الأمن المحلي داخل الصين. قد يتكرر الوضع نفسه في العلاقات المدنية العسكرية لأن الجميع ينتظرون من المسؤولين المحليين أن يقدموا عناصر الجيش والمعدات والدعم اللازم لتنظيم التدريبات والعمليات الواسعة. مع مرور الوقت، قد يؤدي التباطؤ الاقتصادي في الصين إلى اضطرابات مدنية، ما يُجبِر الجيش على تكثيف تدخّله للحفاظ على الأمن المحلي، ولو على حساب خطة تحديثه.

على صعيد آخر، قد تعيق القيود الاقتصادية المحتملة الخطط الرامية إلى تمويل المشاريع المعلنة حديثاً، مثل القوة الفضائية الصينية. على المدى الطويل، قد تضطر الصين للاختيار بين مهامها الأساسية، مثل مراقبة الساحل الصيني، وبناء مراكز لها في بحر الصين الجنوبي، والحفاظ على "منطقة تحديد الدفاع الجوي"، أو حتى حماية حدودها الخارجة عن السيطرة.

في النهاية، قد يؤدي التباطؤ الاقتصادي المتواصل في الصين وأزمة الثقة بالرئيس إلى النتيجة التي يخشاها شي جين بينغ والحزب الشيوعي الصيني والقوميون الصينيون، فيعترف الجميع بأن الصين تعجز عن منافسة الولايات المتحدة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.