جوزفين حبشي

غياب

في يوم عيد الأب... رحل شوشو الإبن

22 حزيران 2022

02 : 10

خضر (شوشو الإبن)

عام 1993، استعاد خضر علاء الدين مسرحية "جوا وبرا"، التي قدّمها والده شوشو في بداية سبعينيات القرن الماضي. يومها عرضت المسرحية لمدة شهرين على خشبة مسرح شاتو تريانو في الزلقا، قبل أن تنتقل إلى مسرح استرال في الحمرا لشهرين آخرين. المسرحية المستعادة لم تضم يومها أياً من نجوم فرقة شوشو الأب المعتادة، أمثال ابراهيم مرعشلي وماجد افيوني وشفيق حسن ومارسيل مارينا وفريال كريم. الإستثناء الوحيد كان مشاركة الراحلة أماليا أبي صالح التي أضفت نكهتها الظريفة على المسرحية، مع مجموعة من الوجوه الجديدة يومها، من ضمنها أنا. نعم، هذه المسرحية كانت تجربتي التمثيلية الوحيدة، فأنا كنت لا أزال طالبة في كلية الصحافة، وأهوى التمثيل الذي درسته في المحترف البلدي بإدارة مخرج استعادة "جوا وبرا" جوزف بو نصار.

تعود الذكريات إلى اليوم، مع سماعي الخبر الحزين، وفاة شوشو الابن، في يوم عيد الأب. أذكر أنني كنت أؤدي دور فتاة مصرية في المسرحية، وأذكر أن خضر كان يسألني بعد كل عرض، "إنتي اكيدة انو أمك مش مصرية"؟ أذكر أيضاً خلال فترة الأشهر الأربعة التي قضيتها في المسرح، أن خضر علاء الدين، ابن حسن علاء الدين، فنان الشعب وأسطورة المسرح الكوميدي النقدي، كان شاباً حزيناً. حزين وصامت معظم الوقت، ونحيل كوالده، يرتدي الأسود ويضع شاربين طويلين كشوشو، يتنقل بسرعة بخطوات ايقاعية، ويختفي بسرعة كالدخان، فهو كان انطوائياً، يعيش "جوا" أكثر من "برا". انطباع استغربته في سنّ العشرين وقلة النضج، فقد كنت أظن أن نجوم الكوميديا هم أكثر الأشخاص سعادة ومرحاً في حياتهم العادية.

خضر علاء الدين الذي ورث شغف المسرح من والده شوشو الأسطورة، لم يستطع للأسف أن يخرج من "جلباب" أبيه. عاش مسكوناً بشخصية شوشو رغم أنه في طفولته، شق طريقاً مختلفة، ولمع بأداء دور سامي ماسح الأحذية الصغير في المسلسل الشهير "سامي" من إخراج نقولا أبو سمح وسيناريو وحوار مروان نجار سنة 1978. خضر كان مصرّاً على إكمال مسيرة شوشو لأنه كان يتنفس المسرح كوالده الذي عانى كثيراً من أجل شغفه الفني، ورحل مديوناً بقلب محروق على مسرحه الذي التهمته نيران القذائف مع بداية الحرب. لقد أعاد تقديم بعض مسرحيات والده، وكان يمتلك نصوصاً لم يقدمها شوشو، ويتمنى خضر أن يجسدها على المسرح عندما تسمح الظروف. ولكنّ الظروف لم تسمح، والمسيرة لم تتكلل بالاستمرارية في ظلّ أسباب كثيرة من ضمنها غياب الدعم والوضع اللبناني المتأزم الذي أثر كثيراً على حركة المسرح.




سامي ماسح الأحذية




قال مرة: "والدي خسر والده وهو في الثامنة من عمره، وأنا فقدت والدي في صغري، لذلك لا يسعني سوى أن أحمد الله أنني رأيت ابني يكبر، وعشت أكثر من والدي الذي توفي عن عمر 36 عاماً فقط".

عاش خضر أكثر من والده، ورحل في يوم عيد الأب. رحل مثل والده، نتيجة نوبة قلبية، وحزيناً ومسكوناً بمسرح وأحلام يصعب أن تتحقق في وطن، لا يزال أبناؤه "شحادين يا بلدنا" كما غنّى شوشو يوماً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.