في العام 1992، وإثر الانتخابات النيابية الأولى بعد الطائف، والتي سمِّيَت "انتخابات الـ13 في المئة"، حيث لم يشارك فيها سوى 13 في المئة من الناخبين، قدَّم رئيس الحكومة آنذاك، رشيد الصلح، استقالة حكومته لإفساح المجال لتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، سئل الرئيس الراحل عمر كرامي عما إذا كان مرشحاً لرئاسة الحكومة، فأجاب باقتضاب: "هبَّت رياح الحريري".
بثلاثِ كلماتٍ معبِّرة، اختصر الرئيس كرامي كيف يُسمَّى رئيس الحكومة، صحيح انه دستورياً يُسمَّى بموجب "استشارات نيابية ملزِمة"، ولكن منذ الطائف إلى اليوم، أي منذ ثلاثين عاماً، كانت التسمية تتم وفق ما "تهب الرياح"، هكذا كانت حال الرئيس رفيق الحريري ثم الرئيس سليم الحص ثم الحريري مجدداً ثم الرئيس عمر كرامي ثم الرئيس فؤاد السنيورة ثم الرئيس سعد الحريري ثم الرئيس نجيب ميقاتي ثم الرئيس تمام سلام ثم الرئيس سعد الحريري ثم الرئيس حسان دياب، وأخيراً وليس آخراً الرئيس نجيب ميقاتي.
من كل الذين وردت اسماؤهم، هل كان بينهم مَن سُمِّي لأن "الاستشارات النيابية الملزِمة" هي التي سمَّته، أم أن اسمَه عُرِف قبل ذلك من خلال "هبوب رياحه"؟
الوقائع والظروف كانت تشي بأن اسم الرئيس الذي سيتم تكليفه، او سيعاد تكليفه، كان يُعرف قبل الاستشارات التي ما كانت على مدى ثلاثين عاماً سوى "لزوم ما لا يلزم" بدليل انه لم تكن هناك منافسة جدية بين مرشَّحيْن أو أكثر.
ماذا تغيَّر اليوم ليستفيق الغيارى على الدستور؟
حين انعقدت اجتماعات "الليالي الباريسية" في تشرين الأول 2016 بين فريق الرئيس عون ممثلًا بالوزير جبران باسيل، وفريق الرئيس سعد الحريري ممثلًا بمدير مكتبه نادر الحريري، ألم تكن هذه الاجتماعات "ضامنة" ان العماد عون سيكون رئيساً للجمهورية؟ وان الرئيس سعد الحريري سيكون رئيساً للحكومة؟ اين كان الدستور والاستشارات النيابية الملزمة؟
أكثر من ذلك، حين ابتُدِعَت "الترويكا" بين الرئاسات الثلاث، منذ عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي، واستمرت في سائر العهود، ألم تكن تختزل السلطات التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية، والعسكرية أحياناً؟ فعن اي دستور يتكلَّم المتباكون والغيارى؟
ثم، ألم يلاحظ المتباكون والغيارى أن "استشارات التأليف" تكاد تكون انتهت قبل ان تبدأ؟
أما الذين يهدِّدون بـ"رَدِّ الرِجل" في استحقاق الانتخابات الرئاسية، ردّاً على ما شاب استحقاق التكليف من عدم تسمية، فلا بد من إنعاش ذاكرتهم أن "اختيار" ثم "انتخاب" رئيس الجمهورية، لا يتم فقط بموجب المواد الدستورية بل أيضاً بموجب "هبوب الرياح". الرئيس الشهيد رفيق الحريري تعايش مع رئيسين للجمهورية: الرئيس الياس الهراوي والرئيس العماد أميل لحود، كان تعايشاً بالإكراه لأن الجميع كان يعلم مَن كان يؤيد لرئاسة الجمهورية، منذ اول انتخابات رئاسية بعد الطائف، وصولًا الى انتخابات 1998، ولم يكن بينهم الرئيس الهراوي والعماد لحود، فهل استطاع تحقيق ذلك؟ ام أن رياح الرئاسة جرت بما لا تشتهيه سفنه؟