سناء الجاك

إنجاز لله يا محسنين

3 دقائق للقراءة

لم يبق من العهد القوي أكثر مما مضى. لكن ذلك لا يفسد قضيته في تخريب ما تبقى من هيكل دولة خلال الأيام التي يعدها اللبنانيون أملاً منهم بأن ينتهي الكابوس، ويبدأ شيء ما يحمل سمة الإنقاذ.

لكن ما تبقى يدفع إلى الترقب. فالتجربة علَّمتنا أنه قد يكمن في الوعي خلف اللاوعي قرار بعدم المغادرة.

صحيح أن المشهد ليس جديداً وتتكرر فصوله التي كانت تمطر موتاً في 1988، لتتوقف ثم تعود منذ 2005 وإلى يومنا هذا.

وصحيح أن دنيا المقيم في عهده القوي لا علاقة لها بدنيا اللبنانيين الذين لا يجيدون إلا النق والتعكير على الطموح والأفكار الخلاقة التي يجب أن تتحقق... حتى لو احتاجت عهوداً وعقوداً...

ومع هذا، لا بد من التوقف عند الإقامة الثانية التي جاءت أسوأ من الإقامة الأولى، وبكثير... ففي الأولى انقسمت الدولة، بعدما كانت مشلولة بفعل الميليشيات وأمراء الحرب. لكنها بقيت دولة بحكومتين ومراسيل جوالة. وتم العمل على توحيدها بعد إخلاء القصر ممن احتله على يد محتل، ساهم بنفسه ضمن محور ممانعته في إعادته إليه... وعلى الرغم من كل ما شاب الإداء، كان لدينا دولة، وكأن اتفاقاً ضمنياً كان سائداً بتنظيم الاستفادة منها بالمحاصصة، شرط إبقائها على قيد الحياة.

أما اليوم، ومع الإقامة الثانية، فواضح أن جميع اللبنانيين يترحمون حتى على زمن الحرب، لأنهم ومنذ بداية العهد القوي وهم يعدون الأيام ليشهدوا نهايته، وإن معدمين.

المهم أن تنتهي الإقامة الثانية، واللبنانيون حاضرون لتحمل كل هذه الخسائر التي لحقت بهم خلالها. لم يعد يجدي إحصاء ما نابهم.

والأخطر أنهم خائفون، وذلك لعلمهم أنه لا يكتفي ولا يشبع خراباً، ويمكن أن يستعصي ويتمسك بالكرسي، ليس لأنه سوبرمان أو رامبو، ولكن لأن من أودعنا إياه أمانة من لدنه، ربما لا يزال يحتاج إليه أو إلى وريثه من بعده. فهو لو فتش بالسراج والفتيلة عن أحد ينفذ له مشروعه بإلهاء اللبنانيين عن مصادرته سيادة دولته بكل هذه الويلات، لما عثر على من يحمل صفات المقيم ووريثه المطابقة لدفتر الشروط.

من هنا رعب الأشهر القليلة المتبقية إذا لم تنهِ أسوأ حقبة في تاريخ لبنان منذ انسانه الحجري، فالاستثمار في الحقد هو العملة الوحيدة التي يتم التداول بها مع مثل هذا المقيم.

والحقد يكبر لأنه لم يشفِ غليله، ليس من الذين قبعوه من إقامته الأولى، ولكن من الذين حاولوا على رغم ما شاب عملهم بناء دولة، حققت رغم انوف القائلين بالتركة الثقيلة نمواً واستقراراً وعمراناً، كان همه الوحيد تهديمها على رؤوس الجميع.

والحقد نفسه جعله يؤيد الذين قبعوه، لأنهم ينكلون بالفئة المذهبية ذاتها التي يكره. الحقد هو على إنجازات تلك المرحلة، مقابل العجز عن النجاح بتسجيل أي إنجاز.

المهم التدقيق الجنائي، لعل وعسى يمكن العثور على كبش فداء يتمّ تحميله وحده جرائم عهد قوي بكامله، ويصرف النظر عن تعطيل تشكيل حكومة الا إذا أكل البيضة والتقشيرة في تركيبتها. وعلى الآخرين أن يضحوا أو يرضوا بمصيرهم كخراف آن أوان نحرها.

والمهم التعليل بالوعود، كما نشهد في مسألة ترسيم الحدود، وما ينتابها من غموض قد يطيح بالأمل الوحيد المتبقي لتعويم الاقتصاد. وكما نشهد في استعراضات توقيع الاتفاقات لاستجرار الغاز التي لا تؤتي شروى نقيرها.

المطلوب إنجاز لله يا محسنين... إنجاز يغطي على التخريب والتعطيل... وإلا سيبقى صاحبنا في إقامته مكتفياً بدعوة البعض إلى التضحية بمصالحهم وأنانياتهم... وأضحى مبارك.