إيمي ماكينون

أحلام روسيا بإنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر تتلاشى

18 تموز 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

سفن راسية في ميناء السودان | 27 نيسان 2021
وفق معلومات مسؤولَين استخباريَين أميركيَين تكلما مع صحيفة "فورين بوليسي" شرط عدم الإفصاح عن هويتيهما، انهارت على ما يبدو آمال روسيا بإنشاء قاعدة بحرية في مدينة "بورتسودان" على البحر الأحمر الذي يبقى من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم. راقب المسؤولون الأميركيون هذا الاتفاق بين موسكو والخرطوم عن قرب، علماً أنه أصبح علنياً للمرة الأولى في أواخر العام 2020. كان ذلك الاتفاق، في حال اكتماله، ليمنح روسيا مكانة استراتيجية راسخة في البحر الأحمر الذي يمرّ به حوالى 30% من حركة الحاويات في العالم سنوياً. وكانت تلك القاعدة البحرية لتصبح أول موقع روسي في أفريقيا، ويخشى المسؤولون الأميركيون أن تستعملها موسكو لفرض سلطتها في المحيط الهندي.

يبدو أن طموحات روسيا في البحر الأحمر اصطدمت بالديناميات الداخلية المعقدة في أوساط القيادة العسكرية السودانية التي استلمت السلطة من حكومة انتقالية مدنية بعد الانقلاب في تشرين الأول من السنة الماضية. أعلن نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم، الجنرال محمد حمدان دقلو المُلقّب بـ"حميدتي"، عن دعمه لموسكو، لكن حاول قائد الانقلاب ورئيس الدولة الفعلي، الجنرال عبد الفتاح البرهان، تجنّب إبعاد الغرب وحلفائه الآخرين في المنطقة، بما في ذلك مصر.

يقول مسؤول في الاستخبارات الأميركية: "هم يترددون بكل وضوح في السماح للروس بالوصول إلى هذا الميناء، ويحاولون حتى الآن تأجيل هذه الخطوة ويستعملون التكتيكات اللازمة لتأخيرها. نحن لا نتوقع إقرار صفقة "بورتسودان" في المستقبل القريب، وقد تبحث روسيا عن خيارات أخرى إذا لم ينجح هذا الاتفاق".

أطلقت روسيا مغامرات واسعة في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة كجزءٍ من طموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوسيع نفوذ بلده العالمي رغم تلاشي قوته الناعمة وضعف اقتصاده. حين كانت موسكو تستعمل مواردها العسكرية لتنفيذ غزوها الشائب لأوكرانيا، حرصت في الوقت نفسه على توسيع بصمتها في مساحات غير مستقرة ومناطق صراع متعددة في أفريقيا، بما في ذلك مالي، وليبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما أبرمت روسيا صفقات لبيع الأسلحة، وأطلقت حملات تضليل، وشغّلت مرتزقة من "مجموعة فاغنر" التي تُعتبر على نطاق واسع فرعاً تابعاً للجيش الروسي، فحصل الكرملين بذلك على نفوذ خارجي كبير رغم قلة استثماراته الخارجية المباشرة في القارة.

في هذا السياق، قال جوزيف سيغل، مدير الأبحاث في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، يوم الخميس الماضي: "اكتسبت روسيا نفوذاً في أفريقيا خلال السنوات القليلة الماضية أكثر من أي جهة خارجية أخرى".

لطالما كانت النقاشات المرتبطة بالقاعدة البحرية الروسية في السودان متقلبة على مر السنين، وقد دفعت المحللين إلى التساؤل حول احتمال استبعاد هذا الخيار نهائياً. وصرّح ســـــيغل لصحيفة "فورين بوليسي": "أظن أن الجيش السوداني يحاول التلاعب بجميع الأطراف. هم يريدون تملق روسيا، لكن يدرك الجيش في الوقت نفسه أن الروس لا يقدمون منافع كثيرة، ما يعني أن الأموال والرساميل الاستثمارية لن تتدفق إلا بعد تجديد دور الجهات المانحة الغربية".

لم تتجاوب سفارة السودان في واشنطن مع طلبات التعليق على هذه المسألة. لكن قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: "سيؤدي أي اتفاق بحري من هذا النوع أو أي شكل آخر من التعاون الأمني مع روسيا إلى عزل النظام العسكري السوداني وإضعاف استقرار القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر عموماً".

بدأت المحادثات بين بوتين والرئيس السوداني السابق عمر البشير للتفاوض حول احتمال توسيع الوجود البحري الروسي في السودان في العام 2017. لكن بعد إسقاط البشير خلال انتفاضة شعبية في العام 2019، تأجّل ذلك الاتفاق حين راحت الحكومة الانتقالية تحاول إنهاء عزلة البلد الدولية. في أواخر العام 2020، وقّعت موسكو ونشرت نسخة من اتفاق مدته 25 سنة بشكلٍ أحادي الجانب في محاولة واضحة لإخضاع السودان.

دعت نسخة من ذلك الاتفاق إلى السماح لموسكو بالاحتفاظ بأربع سفن بحرية على ساحل البحر الأحمر في السودان. في المقابل، يُفترض أن تقدّم روسيا معدات عسكرية ومساعدات حكومية أخرى إلى السودان.

لكن قائد الجيش السوداني، الجنرال محمد عثمان الحسين، أعلن في حزيران 2021، أن الاتفاق لا يزال قيد المراجعة ، وذكر أن المجلس التشريعي (أي الهيئة المسؤولة عن المصادقة على هذا النوع من التدابير خلال المرحلة الانتقالية) لم يتشكّل بعد.

تُعتبر هذه الانتكاسة انتصاراً محتملاً صغيراً للولايات المتحدة التي تحاول كبح نفوذ أهم خصومها الجيوسياسيين في أفريقيا، حيث تسعى روسيا والصين إلى زيادة تأثيرهما عبر توثيق التعاون الأمني مع الحكومات الأفريقية، مع أن تلك الحكومات ترفض أن يتم تصويرها كرهينة في المنافسة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وصرّحت شيدي بلايدن، كبيرة المسؤولين عن الشؤون الأفريقية في وزارة الدفاع الأميركية، أمام لجنة مجلس الشيوخ خلال جلسة استماع يوم الثلاثاء الماضي: "يدرك خصومنا جيداً قدرات أفريقيا الاستراتيجية، وهم يخصصون الوقت والموارد اللازمة لتقوية شراكاتهم في تلك القارة. كجزءٍ من جهود التواصل، تقدم روسيا (والصين) تدريبات وبيانات دفاعية للدول الأفريقية".

في أنحاء أفريقيا، ينتشر مرتزقة مرتبطون بروسيا وناشطون سياسيون من "مجموعة فاغنر" (شبكة من الشركات ومجموعات المرتزقة المتّصلة بوزارة الدفاع الروسية) لتسهيل الوصول إلى احتياطيات الموارد الطبيعية المربحة تزامناً مع دعم الأنظمة المحاصرة، لكنهم يواجهون في معظم الأوقات تُهَماً بارتكاب أعمال وحشية مريعة بعد رحيلهم.

عبّر المسؤولون الأميركيون والفرنسيون عن قلقهم من الأعمال الوحشية المرتكبة على يد مرتزقة "مجموعة فاغنر" في مالي، حيث أوقف المجلس العسكري تعاونه مع الدول الغربية في مجال مكافحة الإرهاب وبدأ توثيق روابطه مع روسيا بعد استلامه السلطة غداة الانقلاب في السنة الماضية. تنشط هذه المجموعة في السودان منذ العام 2017، حيث استفادت من تنازلات مربحة في مجال تعدين الذهب وقدّمت توصيات سياسية لعمر البشير قبل إسقاطه من السلطة.

خلال السنوات اللاحقة، حاول الروس أيضاً التلاعب بالطرفَين عبر مجموعة مؤثرة من سماسرة السلطة في السودان، ويظن المسؤولون والخبراء الأميركيون أن هذه المقاربة اتّضحت في زيارة حميدتي إلى موسكو في شهر شباط. تزامنت هذه الزيارة مع قرار روسيا بإطلاق غزو شامل ضد أوكرانيا.

يقول كاميرون هادسون، خبير العلاقات الأميركية الأفريقية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (منظمة بحثية في واشنطن)، إن الاستراتيجية الروسية في السودان تقضي بتطوير الروابط بين الطرفين، ما يعني استعمال "مجموعة فاغنر" لتعزيز علاقات العمل والروابط العسكرية غير الرسمية مع حميدتي، تزامناً مع محاولة تعميق العلاقات العسكرية الرسمية الثنائية مع البرهان.

لكن تخشى روسيا برأي الخبراء أن تتورط في صفقة مرفئية كبرى، فيما تستمر تقلبات الأزمة السياسية في السودان، إذ لا تزال الحكومة العسكرية تتخبط لإحكام قبضتها على السلطة، وتواجه رد فعل قوياً من الرأي العام، وتتعامل مع تظاهرات حاشدة للمطالبة بعملية انتقالية ديمقراطية.

يقول هادسون الذي عمل سابقاً في وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية: "من الواضح أن البلد يشهد اليوم أزمة سياسية متواصلة، ولا يزال دور الجيش في كل ما يحصل مشكوكاً فيه. بدأت الرمال السياسية تتحرك في السودان راهناً لدرجة أن يبقى هذا النوع من الترتيبات غير مؤكد، حتى لو أعلن المعنيون عن إتمامه".

روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تحاول توسيع نطاق نفوذها في موانئ البحر الأحمر في هذه المنطقة. انضمّت الإمارات العربية المتحدة إلى هذه الموجة في الأسابيع الأخيرة أيضاً، فلوّحت بصفقة مرفئية تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار وقد تنافس صفقة "بورتسودان". برأي الخبراء، تثبت رغبة الحكومة في استمالة المستثمرين الأجانب، رغم استمرار تصفية الحسابات السياسية راهناً، أن مجموعة إضافية من أصول الدولة أصبحت متاحة أيضاً. يوضح هادسون: "تقتصر المسألة على جني المال. هم مفلسون بالكامل، لذا يعمدون إلى بيع أصول الدولة بأسعار أدنى من قيمة السوق لأنهم يحتاجون إلى ضخ الأموال النقدية".

بدأت المنطقة تزداد ازدحاماً، فقد افتتحت الصين أول قاعدة بحرية خارجية لها في جيبوتي، على مدخل البحر الأحمر. ويشمل هذا البلد أيضاً القاعدة الأميركية الدائمة الوحيدة في أفريقيـا. بما أن المسؤولين الاستخباريين الأميركيين يظنون أن آمال روسيا بإنشاء قاعدة في "بورتسودان" أصبحت مستبعدة، حتى الآن على الأقل، هم يتوقعون أن تبحث موسكو عن خيارات أخرى على طول ساحل البحر الأحمر.

في العام 2018 مثلاً، أجرى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، محادثات مع نظيره الإريتري، عثمان صالح، لإنشاء معقل "لوجستي" على ساحل إريتريا واستعماله ظاهرياً للزراعة والتجارة، مع أنه قد يُمهّد لتوثيق التعاون العسكري أيضاً. يقول مسؤول بارز في الاستخبارات الأميركية: "لا داعي لتطبيق هذا النوع من الصفقات غداً، بل إننا أمام استراتيجية طويلة الأمد لمحاولة اختراق المنطقة، ما يعني أن الروس قد يفضلون الانتظار ومراقبة التطورات قبل التحرك بطريقة عملية".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.