جاد حداد

Persuasion... "آن إليوت" في مغامرة جديدة

4 دقائق للقراءة

تؤدي الممثلة داكوتا جونسون دور "آن إليوت" في فيلم Persuasion (الإقناع) للمخرجة كاري كركنيل وتقدم في هذا الدور أداءً ساحراً بمعنى الكلمة. تكثر مشاهد البكاء في حوض الاستحمام، وشرب النبيذ الأحمر من الزجاجة، والتمدّد على السرير في لحظات الاكتئاب، فتروي هذه الشخصية مشاكلها العاطفية بأسلوب مألوف ومتواضع. تمزح "آن" في أحد المشاهد قائلة إنها "تحرز التقدم" في حياتها، مع أن الواقع مختلف، لكنها تحصد منافع كثيرة من حالتها السيئة ولا مفرّ من التعاطف معها في جميع الأحوال. لا يتسنّى لجونسون أن تقدم مشاهد مضحكة كثيرة، لكن من الممتع أن نشاهدها وهي تكشف عن هذا الجانب من موهبتها ولو في لقطات بسيطة.

تنجح جونسون، بالتعاون مع عدد من الشخصيات الثانوية، في الحفاظ على تماسك العمل حين يُهدد غياب التطورات المشوقة والثقل العاطفي بتخفيض مستواه. مع ذلك، يستحيل أن نهتم بمصير العلاقة بين "آن" و"فريدريك وينتوورث" (كوسمو جارفيس) لأنه يبدو جامداً طوال الوقت ويفتقر إلى الكاريزما. كذلك، تخلو جميع التفاعلات بينهما من أي لحظة لافتة لتبرير السبب الذي يدفع هذه المرأة الواقعية والذكية إلى التعلّق برجلٍ مثله منذ ثماني سنوات. هذا الفيلم مستوحى من رواية جاين أوستن التي تحمل العنوان نفسه. إنها الرواية الأخيرة التي كتبتها أوستن عن شخصية "آن"، وهي تُركّز على ما فعله المتغطرسون المحيطون بها لإقناعها برفض "وينتوورث" لأنه يفتقر إلى الثروة أو المكانة الاجتماعية المرموقة. هو يعود هذه المرة بعدما أصبح قبطاناً، لكنه يبقى رجلاً مملاً على نحو مريع. يُفترض أن نشعر بدرجة من الغرابة أو المسافة بينهما حين يلتقيان مجدداً، لكن تخلو مشاهدهما من التوتر أو الصدام لدرجة أن نقتنع أحياناً بأن أصدقاءها وأفراد عائلتها كانوا محقين في موقفهم منه في الماضي.

بقيت "آن" عازبة طوال تلك السنوات، وتبدو عائلتها في حالة من التخبط في بداية الفيلم. هي تصبح على شفير الانهيار المالي بسبب اعتياد السير "والتر إليوت" (ريتشارد غرانت الذي يقدم أداءً مثالياً بدور رب الأسرة المتفاخر) على إنفاق المال عشوائياً. يضطر أفراد العائلة إذاً لتقليص نفقاتهم خلال هذه المرحلة. وحين يتجاوزون هذه المحنة، يتابع الأميرال "كروفت" وزوجته حياتهما، علماً أنها شقيقة "وينتوورث". بعد عودة هذا الأخير من حروب نابليون، تضطر "آن" للتفكير بعلاقتهما العاطفية، بما في ذلك "قائمة الأغاني" التي جمعها لها وتكون على شكل نوتات موسيقية مكتوبة. على صعيد آخر، تبدو لكنة جونسون البريطانية متوسطة: هي لا تبالغ في استعمالها لدرجة أن تقدّم محاكاة ساخرة، لكن يفتقر أداؤها إلى التماسك من هذه الناحية. مع ذلك، تحمل الشخصية التي تقدّمها نظرة عاطفية مختلفة ومؤثرة في عينيها، وهي تبرع طبعاً في تجسيد مشاعر القلق والأسى.

تتعدد العوائق التي تحول دون المصالحة بين "آن" و"وينتوورث"، بالإضافة إلى غرورها وانعدام ثقته بها. تقدّم الممثلة ميا ماكينا بروس دوراً صاخباً عبر شخصية شقيقة "آن" الصغرى النرجسية والمبتذلة، "ماري". لكنّ إدراكها عيوبها يجعلها أكثر جاذبية. في المقابل، تضفي الممثلة المبتدئة نيا تاول طابعاً انفعالياً على دور "لويزا"، زوجة شقيق "آن"، وهي واحدة من أمثلة عدة على المقاربة التي استوحاها الفيلم من مسلسل Bridgerton لاختيار طاقم تمثيلي متنوع من الناحية العرقية. تقيم "لويزا" علاقة عاطفية خاصة بها مع "وينتوورث"، لكن يبدو هذا الحدث مستعجلاً وغير مبرر في سيناريو رون باس وأليس فيكتوريا وينسلو.

حين يظهر الممثل هنري غولدينغ بدور "إليوت"، نسيب "آن" المشين، تأتي شخصيته لتمنح العمل شرارة رومانسية كان بأمسّ الحاجة إليها، حتى أننا قد نتمنى في لحظات معينة أن تهرب معه "آن" في أقرب فرصة. هو ليس الشخص المناسب لها، لكنه الرجل الوحيد المساوي لها من الناحية الفكرية. هما يقدمان مشاهد مميزة بين شخصَين مدهشَين بملابس أنيقة ويتبادلان تعليقات لاذعة. يحتاج الفيلم إلى هذه الأجواء!

أخيراً، يحمل الفيلم الجوانب المزخرفة التي يبحث عنها المشاهدون في القصص المقتبسة من روايات أوستن، إذ تنتقل الأحداث من منطقة "كيلينش هول" الفخمة إلى ريف "أبركروس" التقليدي، ثم منحدرات "لايم" وصولاً إلى منازل "باث" الأنيقة. يتّسم العمل بإضاءة خافتة وغامضة ليلاً، لكنها ساطعة ومشرقة نهاراً. يتولى جو أندرسون إدارة التصوير بهذا الأسلوب الحالم، وتشمل أعماله السابقة فيلم The Old Man and the Gun (الرجل العجوز والمسدس) للمخرج ديفيد لوري. في النهاية، يبحث محبو هذا النوع من الأعمال عن الأثواب المنتفخة التي تتحرك تحت تأثير هواء الشاطئ، ولا شك في أنهم سيجدون الأجواء التي يريدونها في هذا الفيلم.