نعم، نعم، أهواه، وأعلم أن كلمة "أخطبوط" بحد ذاتها توحي بالمغامرة. ألا يبدو الأمر وكأنه اسم شخصية غامضة تعيش في كهف، وتعزف على التشيلو، وترفض الرد على الرسائل؟ ومن أجل كل هذا، وجدتُ نفسي، في صباح سبت جميل، وأنا مفعمة بثقة تكاد تصل إلى حد التهور، أمام أخطبوط ضخم، اشتريته بثقة من شاهد ثلاثة فيديوات طبخ وشعر بأنه مستعد لمواجهة البحر الأبيض المتوسط بأكمله.
كان بائع السمك، من جهته، هادئًا بشكل مقلق عندما قال لي: "سترين يا سيدتي، الأمر في غاية البساطة". أظن أنه ينبغي حظر هذه العبارة، ففي كل مرة يقول لي أحدهم إنّ أمرًا ما في غاية البساطة، أعرف أنني سأجد نفسي في النهاية جاثية على ركبتيّ، وفي يدي قطعة قماش، وفي الأخرى أزمة وجودية.
كان الأخطبوط هناك، مسترخيًا على سطح رخامة المطبخ. كان ينظر إليّ. وشعرت، وأنا أنظر إليه، بأنني مراقبة؛ فمن يملك ثمانية أذرع له دائمًا الأفضلية النفسية. غسلته بخشوع ورهبة، حتى إنني تحدثت إليه. أجل، أنا أتحدث إلى الطعام. أحيانا أشكر الكوسا على تعاونها، فتخيلوا إذن شعوري تجاه الأخطبوط.
أوضحت له أنّ كل شيء سيكون على ما يرام. أظن أنني كنت أطمئن نفسي. ثم جاءت اللحظة الحاسمة، تلك التي يتحدث عنها جميع عشاق الطبخ وكأنها طقس متوارَث منذ الأزل. كان عليّ أن أغمره ثلاث مرات في الماء المغلي، لثلاث ثوان فقط في كل مرّة، ثم أخرجه، حتى تلتف أذرعه مثل لفافات شعر "لولو الصغيرة". أتذكرونها؟
هيلا هوب
في تلك اللحظة، تكونت لديّ أسئلة كثيرة: لماذا ثلاث مرات وليس مرتين؟ ولماذا ثلاث ثوان وليس خمسًا بالضبط؟ ومن ابتكر هذا؟ ومن الذي نظر يومًا ما إلى أخطبوط وظن أنه يحتاج فقط إلى تجعيد دائم؟
وفعلتها. أمسكت الأخطبوط بملقط معدني من منتصفه، و "هيلا هوب"... في الغطسة الأولى، بدأت أذرعه تتمايل بأناقة تكاد تكون وقحة. سحبته إلى الأعلى. وفي الغطسة الثانية، بدأت التجعيدات تظهر. ثم جاءت الغطسة الثالثة، وكانت المعجزة! صارت أذرعه ملتفة بشكل مثالي. وقفتُ لثوان أتأمّل هذا المشهد العجيب. كان أمامي حيوان بحريّ يبدو وكأنه خرج لتوّه من صالون حلاقة متخصص في ثمانينات القرن الماضي. فوجئت بنفسي حين رأيت أنّ شعره كثيف جدًّا. متى، في حياتي، أصبحت أثني على تسريحة رأسيّات الأذرع؟ يا الله، ما هذه الأسئلة الفلسفية العميقة التي تتبادر إلى ذهني وأنا أغازل الأخطبوط؟
واستمر الطهي في جوّ أكثر هدوءًا نسبيًّا، لأن الأخطبوط الذي يطهى على نار هادئة في قدر، يحتفظ بقدرة مذهلة على شغل كل حيّز ذهني. أنتظر، أرفع غطاء الطنجرة، أتفحّصه، أعيد الغطاء، وأنتظر قليلا. أتفقد نضجه، ثم أبدأ من جديد. يشبه الأمر انتظار مراهق كي يخرج من الحمّام أخيرًا. وفي هذه الأثناء، كانت رائحة البحر تفوح من المطبخ؛ قصيدة حقيقية للبحر الأبيض المتوسط. كل ما كان ينقص هو صوت الأمواج وجار يعزف الأكورديون بصوت عال جدًّا.
أخطبوط متمرد
كنت قد جهزت كل شيء للسَّلطة: زيت زيتون باب أول، وعصير ليمونة حامضة وأكثر قليلا، وبقدونس، وقليل من الثوم، وبابريكا، وملح، وبهار أسود. لا شيء معقّد، نظريًّا أقصد، لأن تقطيع الأخطبوط عمليًّا يتطلّب قدرًا من التركيز؛ فدائمًا ما يكون هناك ذراع يقرّر الانطلاق في اتجاه مختلف. أظن أنني أمسكت به، لكنه ينزلق. أمسكه، وقد يتمرّد. إنها أشبه بجلسة يوغا بين امرأة تحمل سكّينًا وحيوان يرفض فقدان شخصيته حتى بعد ساعة وأكثر من الطهي. أخذتُ وقتي. قطع عادية، حسنًا، إلى حدّ ما. دعوني أقول إنّ لكلّ مكوّن طابعه الخاص. وصل زيت الزيتون كصديق وفيّ يعرف كيف يهدّئ أيّ موقف معقّد. وأضفى الليمون نضارته، مع لمسة من التفاؤل جعلت كلّ شيء يبدو أخف. ولعب البقدونس دوره الذي لا غنى عنه كإضافة؛ فلا أحد يتحدّث عنه عادة، لكنّ الجميع يلاحظ غيابه! ثم خلطت كلّ شيء معًا، وهنا بدأ سحر الطبخ.
ما كان قبل ساعة أشبه بمفاوضات بين امرأة وكائن من أعماق البحار تحوّل إلى سلطة أنيقة، مشرقة، تكاد تكون راقية. وهذا يثبت أنّ كل ما يتطلّبه الأمر، في بعض الأحيان، هو زيت زيتون جيّد ليجمع الجميع، ورشة بابريكا لتلوّنهم. وصل الضيوف، وبالطبع، هناك دائمًا من يسأل بابتسامة بريئة إن كان الأمر معقّدًا.
أجبت بالنفي، ففي النهاية، لماذا أنقل الصدمة؟ وأشاد شخص آخر بحماس بجمال الأذرع. كدت أقول إنها خضعت لتصفيف شعر تقليدي من ثلاث خطوات... لكنني تراجعت، مجاملة، أو ربما من شدة الإرهاق.
طقوس دقيقة
يأكل الناس الأخطبوط بلامبالاة بالغة تجاه طريقة طهيه، ويتحدثون عن عطلاتهم وأطفالهم وازدحام المرور والطقس. لا أحد يدرك أنّ هذه السَّلطة، قبل أن تصل إلى طبقهم، تطلّبت طقوسًا بحريّة دقيقة. لا أحد يتخيّل المشهد. نعم، لحسن الحظ، أسرار الطبخ جميلة، وبعض ألغازه الصغيرة لذيذة. والأخطبوط الملتفّ واحد منها.
أحبّ أن أتخيّل أنّ طاهية ما، منذ قرون، كانت تراقب قدرًا، وتقلّد تعبير وجهي عندما غمست الأخطبوط في الماء مرّة، ثم مرّة ثانية، ثم ثالثة. راقبت مخالبه وهي تلتفّ بأناقة. ابتسمت، ورأت أنه يبدو أجمل بكثير بتسريحة "Permanente". ومنذ ذلك الحين، كرّرت أجيال بأكملها هذه الحركة بجديّة تثير الإعجاب. يكاد الأمر يلامس القلب، لولا أنه، في أعماقه، يبقى مشهدًا سخيفًا جدًّا... ولعلّ هذا هو سبب حبّي له.
في كل مرّة أحضّر فيها سَلطة الأخطبوط، أستعيد هذه الطقوس الغريبة. أسخّن الماء، وأتنفّس بعمق، وأمسك الأخطبوط كما لو كنت مقدّمة على وشك إعلان الفائز في مسابقة غير متوقعة. ثم أغمسه، وأرفعه، وأغمسه مجدّدًا، وأرفعه مرة أخرى، وأنهي الغمسة الثالثة برضا يصعب وصفه. في تلك اللحظة بالذات، أشعر وكأنني أنتمي إلى جماعة سريّة: جماعة الأشخاص القادرين على مناقشة جمال مخالب الأخطبوط الملتوية بكل جدية. ولا بدّ لي من الاعتراف بأنني سعيدة جدًّا بانتمائي إلى هذا النادي، لأنّ سَلطة الأخطبوط ليست مجرّد سَلطة. إنها قصة صبر وتقاليد وإيماءات صغيرة متوارثة، وحوارات مع الأواني، وزيت زيتون سخيّ، وليمون ينعش كل شيء، وبقدونس متواضع، وتوابل، وكائن بحريّ ينتهي به المطاف، رغم كل الصعاب، بأجمل تسريحة شعر على المائدة بأكملها.
بصراحة، لو أخبرني أحدهم قبل بضع سنوات أنني سأقضي يوم سبت كاملا أشيد بأخطبوط بسبب تجعيداته المثالية قبل تقديمه، لكنت ضحكت. واليوم، ما زلت أضحك... لكن هذه المرة، أنا من جعدت الأخطبوط!