ريتا عازار

تأملات في "رياضة" فضول الجيران

خلف كل باب مغلق أذن مفتوحة

7 دقائق للقراءة

الفضول رياضة غريبة تمارَس في أماكن غير متوقعة، مثل باب الشقة. يمكن أن تكون هذه الرياضة ممتعة ومثيرة، حيث يتحوّل باب الشقة إلى ساحة للتحدّي والاستكشاف. يُجبَر الأشخاص على التفكير بشكل إبداعي وتحمُّل المخاطر، ما يخلق تجربة فريدة وممتعة.

ثمّة هوايات رائعة، مثل الموسيقى والرسم والقراءة. كما أن هناك هوايات أخرى تمارَس خلف الباب المغلق، مع نَفَسٍ محبوس وعينٍ متلألئة. يُصنف فضول الجيران ضمن هذه الفئة الأخيرة، لا يتطلّب الأمر موهبة خاصة أو اشتراكًا باهظ الثمن، بل فقط وقت فراغ، وسوء نيّة متينة، وحسًّا عاليًا بالتطفل المُتنكِّر في ثوب اللباقة.

الجيران الذين يُحبّون معرفة كلّ شيء عن جيرانهم ليسوا بالضرورة أشخاصًا سيّئين، بل ربما هم أشخاص قلقون وهمّهم يأتي من رغبتهم في مساعدة الآخرين. قد لا يكون ما يفعلونه تجسُّسًا أو تطفلاً، بل قد يكونون، يا قلبي، يهتمّون بمن حولهم ويريدون معرفة كلّ شيء لكي يتمكنوا من تقديم المُساعدة في اللحظة المناسبة. حتى عندما يعرفون كلّ التفاصيل الصغيرة عن حياة جيرانهم اليوميّة، فإن ذلك لا يُعتبر تدخلاً في شؤونهم الشخصية. بل هو تعبير عن رغبتهم في إظهار الانتباه والاهتمام بهم.


يصحو قبل الشمس

منذ الفجر، يكون في موقعه دائمًا. نعم، الجار الفضوليّ الحقيقيّ يستيقظ مبكرًا، ليس حبًّا في مراقبة شروق الشمس، بل ليتأكد إن كان جاره سيغادر إلى عمله في التوقيت نفسه الذي غادر فيه أمس. أيّ تغيير يُعدّ مريبًا حقًا. الخروج متأخرًا عشر دقائق صباح يوم الثلثاء يفتح تحقيقًا داخليًا، حيث يسعى للكشف عن سبب هذا التأخير: "ممم… عطلة؟ مرض؟ طرد من العمل؟ مغامرة سرّية؟"... وينطلق الخيال قبل أول رشفة قهوة.

لدى الجار الفضوليّ حاسة سمع حيوان الخِلد، يمكنه سماع أشياء لا يتوقع أحد سماعها. يتعرّف على صوت خطوات جاره وجارته وخطوات ضيوفهم، وحتى خطوات أشخاص لم يزوروهم من قبل. إذا تحركت قطعة أثاث، سيقول إنه تحويل غير قانوني. وإذا سمع ضحكًا بعد العاشرة مساء، فسيعتبرها سهرة مشبوهة. وإن سمع عطسات متتالية، فإنه سيُسبّب قلقًا صحيًّا لكلّ مَن في البناية.

لديه قدرة فريدة على التمييز بين الأصوات غير المهمّة وتلك المهمّة. صوت جاره دائمًا مهم، أما صوته فلا. يعشق الجار الفضوليّ الأسئلة المفتوحة، تلك التي تبدو بريئة لكنها تنتظر زلّة.


الأريكة الجديدة

يعود جاره إلى المنزل متأخرًا في هذه الأيام. هذه ليست مجرّد ملاحظة، بل الأمر اتهام خفيّ يحمل نبرة لطيفة. "تستقبل الكثير من الضيوف"، ليست جملة عابرة، بل ملف مفتوح. أما قول مثل هذه العبارة: "آه، غيّرت السيارة؟"، فتعني بوضوح أن الشخص يريد معرفة وضع جاره المالي، ويريد أن يعرف إن ربح "اللوتو" أو ورث أرضًا عن عمّته التي ماتت منذ سنة. وبارع في فن طرح سؤال دون أن يطرحه فعليًا: "أوه، هذا الأريكة جديدة!"، عبارة تطلب تلقائيًا تبريرًا، وفاتورة، وإن أمكن اعترافًا ضريبيًا. وعدم الرد يولّد شكًّا طويل الأمد. والرد المطوّل يؤكد أن الجار موضوع الفضول يخفي شيئًا.


المصعد غرفة تحقيق

يزداد فضول الجار بالأخص في الأماكن المشتركة، فهو يعتبر المصعد كرسي الاعتراف الخاص به. عندما يصاب أحد بالإحباط بين الطابق الرابع والطابق الأرضي، يكون تحت رحمته. يستغلّ ضيق المساحة ليُطلق جملة خفيفة في الظاهر، لكنها تحمل الكثير من المعاني الخفية: "إذًا، كيف كانت نهاية الأسبوع؟". هنا الـ "إذًا" مفتاح شامل يفتح كلّ حياة خاصة، كما يفتح مفتاح صدئ بابًا قديمًا.

على السلالم يبطئ خطواته عن قصد، لا بسبب التعب وإنما ليتمكن من الاستمتاع بالحديث مع كلّ من يحاول التهرّب منه. عندما يصل إلى باحة البناية، يتوقف تمامًا ويتحدّث مع مَن يلتقيه، ما يمنع أيّ محاولة للهروب. يبدأ الحديث بمواضيع يوميّة مثل الأحوال الجويّة، ثمّ يتدرّج إلى مواضيع أخرى مثل التدفئة وإدارة المُلكيّة، وفي النهاية يتحدّث عن حياة الجار موضوع الفضول بطريقة لطيفة وممتعة. وعندما يقول له: "لم نعد نراك كثيرًا"، فالمعنى الحقيقي هو أراك أقل، وهذا غير مقبول.


طرود وأكياس ودليفري

يحبّ الجار الفضولي الطرود والدليفري وأكياس السوبر ماركت كثيرًا. يعرف صوت كلّ شاحنة تأتي إلى الحيّ. يمكنه التمييز بين الطرد الكبير والصغير، أو بين الطلب المُحرج والعادي. عندما يغيب جار عن المنزل، يصبح شغفه بالطرود أكبر. يستلم الطرود بفرح غريب، ويزنها بعينَيه، ويفحصها بحرص. بعد ذلك، يضعها في منزله مثل الكنوز، ويتابعها بانتظار عودة الجار صاحب الطرد. وعندما يحضر الأخير لاستلام الطرد، لا يستطيع منع نفسه من التعليق: "ثقيل!"، أو "قابل للكسر؟".


مراقبة بلا "لايك"

هناك أيضًا ما يُسمّى الفضول الرقميّ. هذا النوع من الفضول الحديث يسمح للجيران بالتعرّف على الكثير من المعلومات عن الآخرين. إذا قام بتغيير شبكة "الواي فاي" الخاصة به، فالفضوليّ سيلاحظ ذلك على الفور. كما سيراقب جهاز التوجيه الجديد قبل التمكّن من توصيل السلك. وغالبًا ما يشكّ "مسيو حشور" بأن جاره يحمِّل مواد غير قانونية أو يُمارس أنشطة سريّة.

يتابع كلّ جيرانه على وسائل التواصل الاجتماعي بحرص شديد، من دون أن يترك أيّ أثر. لا يضغط على زر "إعجاب" أبدًا، لكنه يرصد كلّ ما ينشره جيرانه. حتى الصُّوَر التي ينشرونها عن عطلهم يُمكن أن تتحوَّل إلى موضوع للنقاش خارج عالم الإنترنت. "آه، كنتَ في إسبانيا؟"، معلومة لم يخبره أحد بها ولم يضع عليها حتى "لايك". وعندما يُسأل كيف عرف، يجيب: "أتكهّن"، ويصبح "التكهّن" هو الاعتراف النهائي.


القمامة لا تكذب

يهتمّ الجار الفضوليّ كثيرًا بالتفاصيل الصغيرة التي قد تبدو غير مهمّة للبعض. على سبيل المثال، يلاحظ لون أكياس القمامة التي تخرج من كلّ بيت، وكيفية إخراج الزجاج، وعدد الأشخاص الذين يدخلون البناية في المساء، بخاصة يوم الأحد. كما يعرف بالضبط ما يأكله كلّ جار في كلّ أسبوع، ومنها يستطيع أن يُخمّن عاداتهم الغذائية، مثلًا إذا كانوا يأكلون أطعمة دهنية، أو يأكلون في ساعات متأخرة من الليل، أو يتناولون كميات كبيرة من الطعام. وعندما يتحدث مع أحد الجيران عن الجيران الآخرين، يكون ذلك دائمًا بدافع القلق: "أقول هذا، لكنني قلق عليهم…"، عادةً ما تسبق هذه الجملة كشفًا غير ضروري، حيث يجري تضخيم المعلومات، وقليلًا ما يكون ما يُقال دقيقًا. يجمع هذا الشخص الشائعات مثلما يجمع الناس الطوابع. لا يخترع الشائعات بنفسه، بل يتلقاها من الآخرين وينقلها. بالتالي، فهو يشعر بالراحة والرضا لأن عمله لا يتضمّن اختراع شيء جديد، بل مجرّد نقل ما سمعه من الآخرين.


الفضوليّ غامض

ثمّة أمر مميّز في هذا النوع من الفضول. الجار الذي يحب أن يعرف كلّ شيء، يشعر بأنه يؤدي دورًا هامًا. بدون هذا الاهتمام، قد تفقد البناية هويتها وتتجه نحو الارتباك أو حتى الحرية. إنه يشبه الحراس الذين يراقبون كلّ شيء بطريقة غير مباشرة، ويطبّقون نظامًا غير مكتوب يطلب من الجميع أن يكونوا واضحين إلى حدّ ما، متوقعين في تصرفاتهم، ومتوافقين تمامًا مع ما يعتبرونه سلوكًا "عاديًا".

وهنا يظهر التناقض في سلوكه، حيث أنه لا يحبّ أن يكون محطّ أنظار الناس أو أن يتكلم أحد معه عن أمور شخصيّة. عندما يسأله أحد عن حياته الخاصة، غالبًا ما يدلي بإجابة قصيرة وغامضة وكاذبة، وأحيانًا حتى متوترة. يعتبر حياته الشخصية أمرًا مقدَّسًا لا ينبغي التحدّث عنه. ومع ذلك، فهو يعتبر حياة الآخرين شأنًا عامًا يمكن مناقشته بِحريّة.

في كل الأحوال، قد لا يكون الجار الفضوليّ سوى مرآة مكبِّرة لميولنا نحن إلى النظر من النافذة عندما يحدث شيء ما. الفرق الوحيد هو أنه لا يصرف بصره أبدًا عن جيرانه.