الحلقة الثالثة
معركة بحمدون
*لضرورات النشر تم اجتزاء النص الذي سيصدر ضمن الكتاب في الأول من آب المقبل*
أواخر بعد ظهر الثالث من شهر أيلول، بدأت قوات الجيش الإسرائيلي بإخلاء آخر جنودها من جبال الشوف وعاليه. تركت عملية إعادة الانتشار الإسرائيلية القوات اللبنانية تحت رحمة الدروز الذين كانوا في تلك الحِقبة قد استلموا أعتدة وتعزيزات من الاتحاد السوفياتي عبر حلفائهم الفلسطينيين والسوريين. بحسب رجا حرب، كان الحزب التقدمي الاشتراكي، وبحلول عام 1983، قد جمع قوة مدفعية لافتة كما احتكم إلى المهارات التقنية المطلوبة لاستخدامها، وهو ما رفضت القوات اللبنانية الاعتراف به. ربما كان هذا الإنكار القوّاتي متجذّراً في اعتقاد قادتها أن ترسانتهم وتدريبهم الغربيين/الإسرائيليين كانا يفوقان بكثير الأسلحة السوفياتية التي كان الدروز يُغْرِقون بها الميدان. بل لعل الأهم من ذلك، هو أن القوات اللبنانية كانت تنظر إلى نزاعها بوصفه نزاعاً مع النظام السوري الذي "يستعمل جنبلاط والدروز كغطاء له" لا غير، وذلك بهدف وضع مخطّطه المشؤوم في السيطرة على لبنان حيّز التطبيق. وفي هذا الصدد، ثابر فادي فرام على الإحالة إلى قتال القوات اللبنانية بوصفه قتالاً موجّهاً مباشرة ضدّ الغرباء، ومن بينهم الزعامة الجنبلاطية التي قال فيها:
حلفاؤنا الأساسيون هم الدروز، والمشكلة الأساسية أمام التوصل إلى هذا الهدف (أي التحالف مع الدروز) هي القيادة الجنبلاطية التي كانت تاريخياً ومنذ أواخر القرن التاسع عشر ضدّ لبنان. كانت هذه القيادة تستورد أفكارها وخطها السياسي من خارج لبنان. وعام 1975 كانت إلى جانب الإرهاب والفلسطينيين ضدّ لبنان والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه حالياً وليد جنبلاط تسلّح من الإرهاب الدولي والسوريين والشيوعية الدولية. درّب عناصِره في المخيمات الفلسطينية ومخيمات الإرهاب، كما درّب ضباطه في الاتحاد السوفياتي وسوريا.

من وجهة النظر العسكرية، كانت القوات اللبنانية بقيادة جعجع قد عزّزت مواقعها عبر الإضافة إليها تحصينات وعبر شقّ طرقات ومسالك عسكرية جديدة كانت تضمن لمقاتليها السلامة من قصف الدروز وكمائنهم. لكن وجَب على القوات اللبنانية، البالغ عديدها خمسة آلاف مقاتل، أن تغطي منطقة ضخمة المساحة، في وقت كانت خطوطها الإمدادية ضعيفة، ما اقتضى منها في بعض الأحيان، المرور بمحاذاة قرى الدروز. بحسب آلان مينارغ، الذي سبق له أن خدم في الجيش الفرنسي، وعلى الرغم من معرفته العسكرية المحدودة، كانت القوات اللبنانية في وضع صعب ما كان في مصلحتها البتّة. أولاً، كانت قدرتها على الإمساك بخطوطها الإمدادية مسألة إشكالية مطروحة على الدوام. ثانياً، كانت بنيتها الميليشياوية تشكل بحدّ ذاتها إعاقة. فبينما كانت القوات اللبنانية أنموذجاً للقوة القتالية الإسْبارطِيّة الممتَهِنَة والمعتدَّة بهيكليتها الواضحة، كان جسم قوات الحزب التقدمي الاشتراكي مشكّلاً من مجنّدين انضموا إلى الميليشيا بوصفهم منضوين في وحدات قروية، فخاضوا بالتالي القتال جنباً إلى جنب مع أبناء عمومتهم وخؤولتهم وجيرانهم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه البنية العائلية وقعت في صلب الآليات القتالية التكتيكية الدرزية، التي كانت تضع روابط الدم في المقدم؛ فالحقيقة الصرف القائلة بأنهم سيكون عليهم الدفاع عن أفراد عائلتهم المباشرة أكثر من القتال نُصْرَةً لقضية مجرّدة، جعلت من الدروز مقاتلين غاية في الشراسة. وبطبيعة الحال، كان من شأن هذا الأمر أن يقصي الوحدات المتمتعة بمهنية تقنية أكبر، كالفصائل المدفعية والمسلحة، الشبيهة إلى حدّ بعيد في تلك الحِقبة، بتلك التي دفعت بها القوات اللبنانية إلى الميدان. وعلى الرغم من هذا التقويم العسكري المكشوف أو المنعزل أو المعرِّض للخطر، كانت القوات اللبنانية تغذّي الأمل على الدوام بأن أمين الجميّل سيرسل في النهاية بالجيش اللبناني لإنقاذها من هلاكها الوشيك. لكن، إن كان في الماضي من احترام متبادل أو ثقة متبادلة بين الجميّل والقوات اللبنانية، فإن ذلك الاحترام وتلك الثقة كانا، بحلول زمن المواجهة، قد ذَبُلا، بما أن القوات شعرت أن أمين الجميّل كان يتمنى لها الخسارة في المواجهة، بحيث يتمكن من إنهاء الإرث الذي خلّفه أخوه بشير. وكنتيجة لهذا الشعور، راح عدد من الأصوات يتعالى، خلال الأيام الأخيرة السابقة لانسحاب الجيش الإسرائيلي، وسط القيادة العليا للقوات اللبنانية، داعية إلى الإطاحة بالجميّل والإمساك بزِمام الدولة وقيادة الجيش.

ولعل أحد أكثر الحَمِسين نصرةً لهذه الخطوة كان أنطوان نجم، الذي طلب بأن يقوم فرام باتخاذ موقف حازم وحاسم في هذا الشأن، قائلاً:
ما عاد پيار ولا أمين قائدين حقيقيين بعد الآن. فالسياسة في لبنان تحدّد خارجه. إننا نجتاز تحوّلاً تاريخياً مهماً للغاية، وأنا بلا تحفّظ أقف إلى جانبك يا فادي، شريطة أن تتصرف بحزم. إنك الأمل الوحيد المتبقّي للمسيحيين. امضِ وتوَلَّ مسؤولية القيادة، وأنْشِئ للقوات اللبنانية مكاتب في كل من تل أبيب والقدس على السواء.
غير أن الانقلاب العسكري ولد ميتاً بكل بساطة، لوجود العديد من المواد على طاولة القوات اللبنانية في تلك الحِقبة، وأولها معركة الجبل الوشيكة. ولعل أحد العناصر الذي قضى على هذا الانقلاب في المهد، تمثّل في الوعد الذي قطعه أمين الجميّل لجعجع عندما اجتمع به في القصر الجمهوري، قبل أسبوع على انسحاب قوات الدفاع الإسرائيلية. جعجع، الذي كان يشرح للرئيس ولقائد جيشه اللواء إبراهيم طنّوس، المهمة الخطيرة المرتقبة والتحديات العديدة التي تتربّص به، وجد لدى الجميّل كلاماً مطمئناً، إذ قال له: "لا تخش شيئاً، لا تخف". ثم ما لبث الجميّل أن سأل جعجع بطريقة فظّة: "لِكَم من الوقت تستطيع الصمود أمام هجوم الدروز قبل أن تحتاجني لإرسال الجيش للتدخل؟". أجاب جعجع بالفظاظة عينها عن السؤال قائلاً: "لكم من الوقت تحتاجني أن أصمد أمام الهجوم؟". أجاب الجميّل بعد أن همس شيئاً في أذن طنّوس، "اثنتي عشرة ساعة"؛ فإذا بجعجع يقول: "لتكن أربعاً وعشرين، لكن لا غير".

كانت معركة بحمدون هي مصدر القلق الأكبر بالنسبة إلى جعجع، إذ كان من المتوقع لهذه البلدة أن تشكّل الجبهة الأساسية التي سيستهدفها الدروز بهجومهم. فبحمدون المتكئة على الطريق الدولية بيروت - دمشق، كانت ذات أهمية استراتيجية لوقوعها في صلب تقاطع ثلاث مناطق في جبل لبنان، إذ تحدّها عاليه من الجنوب، والمَتْن من الشرق، ومن الغرب منطقة الجرد الواسعة والمتقاطعة مع العمق الدرزي في الشوف.
بالنسبة إلى پول عنداري، المكلف بمهمة الدفاع عن جبهة بحمدون، ما كان الأمر ليكون أقلّ من جاثوم يقبِض على خِناقه. فهو ما كان ليتحَكّم إلا بمائتين وخمسين مقاتلاً، ما كان يملي عليه ضرورة بذل جهد إضافي يفوق قدرته بكثير، في مواجهة الدروز الذين كانوا يسجّلون نجاحات لافتة في حشد دعم القرى الدرزية المحيطة، الأمر الذي أخفقت القوات اللبنانية في تحقيقه في بحمدون وجوارها.
عشيّة حرب الجبل، توجّه وليد جنبلاط، الذي كان قد غادر لبنان عقب تعرّضه لمحاولة اغتيال، إلى الدروز طالباً منهم تحضير أنفسهم للمهمة الشاقة المرتقبة. غير أن كلمات جنبلاط ما كانت لتكون فَزْعَةً لا غير، بل إنها كانت مختصراً لذاكرة متّحدة الجماعية، بما أن الدروز كانوا على وَشك خوض معركة ضدّ أعدائهم الموارنة التاريخيين. قال جنبلاط في رسالته:
يا أهلنا في الجبل، يا بني معروف، يا أحفاد سلمان [الفارسي]، إن ساعة التحدّي الكبير تقترب... فالنوايا واضحة تماماً، والاستعدادات قائمة... إنها ساعة الحفاظ على الأرض والعِرْض، إنها الكرامة بعينها والوجود بحدّ ذاته. الأرض لكم والتاريخ أنتم القيّمون عليه، أبناؤكم مستقبلكم، وجودكم قيمتكم وحكمتكم الشريفة على مفترق حاسم، فإما تردّون كَيْد العِدَى وتحمونها بتضحياتكم التي بذلتم الكثير منها طيلة عام وإما تستطيع الهجمة البربرية الجديدة النيل منكم.