أيزك شوتينر

الحركة الاحتجاجية في سريلانكا... بين أملٍ وخوف

29 تموز 2022

المصدر: The New Yorker

02 : 00

متظاهرون يحتجون داخل مبنى الأمانة الرئاسي، بعد فرار الرئيس جوتابايا راجاباكسا، في كولومبو | سريلانكا في 9 تموز 2022
إقتحم المحتجون في العاصمة السريلانكية، كولومبو، مقر الرئيس غوتابايا راجاباكسا منذ فترة، فهرب هذا الأخير من البلد ثم استقال لاحقاً عبر رسالة إلكترونية. بعد أشهر على ارتفاع الأسعار وشحّ الإمدادات الغذائية والأدوية، بلغ الاستياء في سريلانكا ذروته. يواجه البلد الآن فترة من الاضطرابات والفرص، فهو مضطر للخروج من الأزمات الاقتصادية والسياسية الراهنة بعد 12 سنة على نهاية حربه الأهلية الوحشية في العام 2009، حين هزمت الحكومة بقيادة الأخوين راجاباكسا حركة تمرّد "نمور التاميل" القائمة منذ عقود. يوم الأربعاء الماضي، صوّت المشرّعون السريلانكيون لاستبدال راجاباكسا برانيل ويكرمسينغ: إنه مسؤول من أوساط السلطة وسبق وأضرم المحتجون النار في منزله. بعد يومين، داهمت قوى الأمن معسكر المحتجين الأساسي، وأعلن ويكرمسينغ أن الفاشيين تسللوا إلى الانتفاضة. في مقابلة حديثة عبر الهاتف مع أهيلان كاديرغامار، خبير في الاقتصاد السياسي في جامعة "جافنا"، ناقشنا أسباب الأزمة الراهنة، وإرث الحرب الأهلية السريلانكية، ومصير الاحتجاجات في المرحلة المقبلة.

ما الذي يحصل في سريلانكا؟ كيف تَصِف الظروف الراهنة؟ هل نحن أمام ثورة حقيقية؟

نحن نشهد أقوى حركة احتجاجية في آخر قرنَين. لقد زعزعت هذه التحركات أركان الدولة والمجتمع بالكامل. أنا أسمّيها انتفاضة لكنها لا تصل إلى مستوى الثورة بعد لأنها لا تهدف إلى تغيير العلاقات الاجتماعية الأساسية، بل تصبو بكل بساطة إلى تغيير النظام. إنه المطلب الأساسي وقد تحقق فعلاً. أسقط المحتجون الرئيس، لكنهم لا يفكرون بتغيير العلاقات الاجتماعية أو علاقات الملكية. لم تصل حركتهم إلى هذا المستوى، لكن تترافق الاحتجاجات أيضاً مع تسييس هائل لتوجهات الناس. لم تنشأ هذه الاحتجاجات بقيادة جماعة إيديولوجية معينة، بل إنها زادت قوة لأن الشعب مارس حقه بالاحتجاج ونزلت أعداد متزايدة من الناس إلى الشوارع.

ما هي أسباب الأزمة الاقتصادية؟

عند تعقب الأسباب الأصلية لهذه الأزمة الاقتصادية، يتّضح لنا أن التدهور الحقيقي بدأ مع الحرب في أوكرانيا، فقد ارتفعت أسعار النفط والسلع والأسمدة عالمياً بنسبة الضعف أو أكثر. في سريلانكا، أدى هذا الوضع إلى أزمة في صرف العملات، فعجزنا عن استيراد عدد كبير من السلع الضرورية لتحريك الاقتصاد. لهذا السبب، تكثر حالات النقص وترتفع الأسعار بدرجة هائلة. مقارنةً بالظروف التي كانت قائمة منذ ستة أشهر، زاد سعر الخبز والرز بثلاثة أضعاف، وارتفعت أسعار البنزين والديزل بالدرجة نفسها تقريباً.

تتعلق المشكلة أيضاً بشكلٍ فاضح من سوء الإدارة في عهد غوتابايا راجاباكسا الذي وصل إلى السلطة في العام 2019. كان نظامه يستطيع إعطاء الأولوية للواردات وادخار جزء من احتياطياتنا الأجنبية لتجاوز الأزمات. لكن أدى سوء إدارته إلى هذا الوضع المتدهور.

بالإضافة إلى التداعيــــات الاقتصادية، كيــــف أثرت الحرب الأهليــــــــــــة على الأحداث الراهنة؟


هزم نظام راجاباكسا "حركة نمور تحرير التاميل – إيلام" أخيراً، مع أنها كانت تُعتبر من أكثر المنظمات المسلّحة وحشية. ظن الكثيرون أن أحداً لا يستطيع هزمها، لكن حقّق راجاباكسا هذا الإنجاز في أيار 2009، فحصل بذلك على تفويض مطلق لترسيخ نظامه. حقق هذا المعسكر فوزاً ساحقاً بعد ستة أشهر، وينجم هذا الانتصار جزئياً عن فكرة شائعة مفادها أن سريلانكا تبقى مستقرة لأنها تتكل على نظام استبدادي قوي. كانت تلك النزعة الاستبدادية التي تزامنت مع فورة تنموية واضحة جزءاً من العوامل التي أطلقت مسارنا الاقتصادي.

باختصار، مهّدت أحداث العام 2009، والحرب، والسلطة الاستبدادية، ونشوة الانتصار، والأغلبية القومية، لترسيخ نفوذ النظام الذي حدّد وجهة المسار الاقتصادي من دون أي التزام بمعايير الديمقراطية.

بعد سقوط نظام راجاباكسا، ما هي أهداف هذه الحركة؟

إذا عدنا إلى أصل هذه الحركة الاحتجاجية، سنتذكر أن الدولة طلبت من الشعب تخفيض نفقاته على مر الحرب، فقالت له: "نحن نخوض حرباً ولا نستطيع تأمين وسائل الراحة. إنها أوقات صعبة". لهذا السبب، كثرت التوقعات حول فرص التنمية والازدهار بعد انتهاء الحرب.

لكن لم يستفد الناس من السلام على أرض الواقع، فقد استمرت مظاهر اللامساواة. انطلقت مشاريع البنى التحتية وحققت طبقات مالية معينة في كولومبو النجاح خلال تلك الفترة. إنه جزء من الأسباب الكامنة وراء إسقاط نظام راجاباكسا. تحمل سريلانكا تاريخاً طويلاً من الرعاية الاجتماعية. نحن نستفيد حتى اليوم من رعاية صحية شاملة. يستطيع أي شخص أن يقصد المستشفى ويدخل إليه مجاناً. جميع جامعاتنا مجانية أيضاً. يستفيد طلابي كلهم من التعليم المجاني منذ المدرسة الابتدائية وصولاً إلى الجامعة. وكانت المواد الغذائية مدعومة أيضاً حتى فترة السبعينات.

يحمل الناس هذا النوع من التوقعات من الدولة، وهم ينتظرون تلبية حاجاتهم الاقتصادية في المقام الأول. سقطت الحكومة التي سبقت عهد راجاباكسا بسبب حصول جفاف حاد في البلد، بين العامين 2016 و2017، ولم تتجاوب تلك الحكومة مع مطالب القطاع الزراعي حينها. تكثر الاحتجاجات في تاريخ بلدنا لأسباب اقتصادية. عند تفشي جائحة كورونا، قدّمت سريلانكا أصغر كمية من الإعانات إلى سكان جنوب آسيا نسبةً إلى ناتجها المحلي الإجمالي. ثم تذمّر الشعب من هذه المشاكل كلها وزاد استياؤه من النظام لأن راجاباكسا انشغل بترسيخ سلطته بكل بساطة.

لكنّ القشة التي قصمت ظهر البعير هي محاولات عسكرة التعليم وخصخصته. نتيجةً لذلك، بدأ المعلمون والطلاب وأساتذة الجامعات بالاحتجاج على الوضع. منذ سنة، انهارت شرعية النظام بالكامل. اتخذ المسؤولون حينها قراراً كارثياً بحظر الأسمدة في القطاع الزراعي. قال الرئيس إنه يريد تحويل سريلانكا إلى بلد عضوي بالكامل بين ليلة وضحاها وقرر منع استيراد جميع الأسمدة الكيماوية، ما أدى إلى تدمير قطاعنا الزراعي. شعر المزارعون بأعلى درجات الاستياء.

ما مصير الحركة الاحتجاجيــــــــة في المرحلة المقبلة؟

يجب أن نعود إلى نظام الحُكم البرلماني. لكن حتى داخل البرلمان المؤلف من 225 عضواً، تنتمي الأغلبية الساحقة إلى حزب الرئيس وقد خسروا جميعاً مصداقيتهم. إنهم المسؤولون الذين كانوا يحكمون البلد. يصعب إجراء أي انتخابات في الوقت الراهن، وتبرز الحاجة إلى نشوء حكومة مؤقتة، أو ربما حكومة مؤلفة من أقلية المعارضة، لإرساء الاستقرار السياسي والاقتصادي.

إنبثقت فكرة أخرى من الاحتجاجات، وهي تقضي بإنشاء مجلس الشعب. يجب أن يشمل هذا المجلس ممثلين عن المحتجين، ومختلف المنظمات المهنية، ونقابة المحامين، والنقابات العمالية، فتجتمع هذه الأطراف كلها لتشكيل هيئة استشارية للبرلمان وللإشراف على عمله لأن الناس خسروا ثقتهم بالبرلمان. إذا كنا نفتقر إلى هذه الآلية، سنضطر للنزول إلى الشارع والاحتجاج في كل مرة ينحرف البرلمان عن مساره الصحيح.

ماذا عن تركيبة هـــــــذه الحركـــــــة الاحتجاجية؟


يشمل البلد حوالى 70% من البوذيين، لكنه يضمّ أيضاً أقلية هندوسية واسعة وأقلية مسلمة. إلى أي حد كانت الحركة الاحتجاجية متنوعة من الناحية العرقية والدينية؟

هذا هو الجانب الإيجابي والواعد من التحركات. خلال الاحتجاجات، توحّدت هذه الجماعات العرقية الثلاث. يجب ألا ننسى أن راجاباكسا أطلق حملة واسعة ضد المسلمين في العقد الماضي. لكنّ الشعب وحّد صفوفه.

ما هي أكبر مخاوفك في ما يخص وجهة البلد في المرحلة المقبلة؟


يمكنني أن أقارن الأزمة التي نواجهها على المستوى الاقتصادي بزمن الكساد العظيم خلال الثلاثينات. الوضع مشابه جداً لما حصل بين العامين 1934 و1935، حين أثّر الكساد على العالم أجمع. كانت سريلانكا تواجه أيضاً وباء الملاريا في الفترة نفسها، ومات حينها حوالى 2% من شعبنا. إنها نسبة هائلة. كانت تداعيات تلك الأزمة أخطر من الجائحة الحالية، فتركت وراءها إرثاً راسخاً. نشأ حسّنا الديمقراطي في فترة الثلاثينات، وطالبنا حينها بالتعليم المجاني. نحن نستفيد من التعليم المجاني منذ العام 1944 ولدينا رعاية صحية شاملة منذ العام 1951.

مهّدت تلك الأحداث لبعض التغيرات التدريجية التي حوّلت سريلانكا إلى دولة تنموية نموذجية خلال السبعينات. رغم تراجع نصيب الفرد من الدخل، سجّلنا مؤشرات عالية جداً في مجال التنمية البشرية، على مستوى تعلّم القراءة والكتابة ومتوسط العمر المتوقع ومعايير أخرى. شهدت فترة السبعينات أيضاً حدثاً عالمياً محورياً آخر، فقد ارتفعت أسعار النفط بما يشبه الوضع الراهن. لقد واجهنا أزمة حادة مهّدت لنشوء نظام استبدادي برئاسة جونيوس ريتشارد جيوردين الذي قاد البلد نحو التحرر وأضعف نظام الرعاية الاجتماعية. أقرّ جيوردين قانون منع الإرهاب وأعلن حالة الطوارئ وسحق نظام العمل المنظّم، ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية، بحلول العام 1983، خلال عهده.

نحن نواجه اليوم أزمة مماثلة، ولهذا السبب أحمل الكثير من الآمال والمخاوف في آن. قد يسير البلد في اتجاه تقدّمي، فيعالج مخاوف الناس ويرسّخ الديمقراطية والمساواة والحرية على مستوى العلاقات العرقية الداخلية. لكنه قد يتجه أيضاً نحو نظام حُكم مقلق ومثير للانقسام واستبدادي وشبه فاشي إذا توحّد عناصر الجيش أو أطراف متنوعة وقرروا قمع هذه الحركة بالكامل.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.