سرطان الدماغ: الليثيوم يُجدد الوظائف المعرفية بعد العلاج بالأشعة

4 دقائق للقراءة

ينقذ العلاج بالأشعة حياة المرضى، لكنه قد يترافق أيضاً مع آثار ضارة في الدماغ. تكشف أحدث النتائج أن دواءً معروفاً قد يعكس مسار ذلك الضرر. جرى البحث الجديد على الفئران واستنتج أن الليثيوم قد يُجدد جزءاً من الوظائف المعرفية التي يخسرها الناس بسبب العلاج بالأشعة. وفق فريق بحثي من معهد "كارولينسكا" في ستوكهولم، السويد، قد يصبح الليثيوم أول علاج دوائي للآثار المعرفية المتأخرة لدى الناجين من السرطان خلال مرحلة الطفولة.يوضح كلاس بلومغرن، مستشار في قسم صحة النساء والأولاد في المعهد: "في السنوات القليلة الماضية، تحسّنت قدرة طب الأورام لدى الأطفال على إنقاذ حياة المرضى لكنها تحقق هذا الهدف مقابل كلفة مرتفعة. يواجه معظم الأولاد مشاكل معرفية حادة، ولو بدرجات متفاوتة، بعد تلقي العلاج بالأشعة لاستهداف الأورام الدماغية. يُسبب هذا الوضع أحياناً مشاكل في التعلم أو العلاقات الاجتماعية، حتى أنه قد يعيق العمل في مراحل متقدمة من الحياة".نُشرت الدراسة الجديدة في مجلة "الطب النفسي الجزيئي"، وكانت تهدف إلى إيجاد طريقة للحد من تلك الأضرار أو حتى عكسها بالكامل.

كيف يعطي الليثيوم مفعوله؟

وفق جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، يسجّل أكثر من نصف المصابين بأورام دماغية تراجعاً معرفياً بعد خضوعهم للعلاج بالأشعة. كذلك، ذكرت دراسة نُشرت في "مجلة علم الأورام العيادية" في العام 2013 أن الأولاد الصغار يسجلون تراجعاً "بارزاً" في معدلات حاصل الذكاء بعد تلقي علاج مماثل. لكن قد يتمكن الليثيوم (دواء يستعمله الأطباء عموماً لمعالجة الاضطراب ثنائي القطب) من عَكْس ذلك الضرر.

لا يعرف الخبراء طريقة عمل الليثيوم بدقة، لكن تشير النتائج الجديدة إلى أنه يؤثر على نوعَين مهمّين من البروتينات: يسمح بروتين تعزيز بلمرة التوبولين (Tppp) للخلايا بالحفاظ على شكلها. أما بروتين الغلوتامات ديكاربوكسيلاز (GAD65)، فيشارك في تنظيم التواصل بين الخلايا الدماغية.

خلال الدراسة، أعطى الباحثون الليثيوم لمجموعة من إناث الفئران بعد أربعة أسابيع من خضوعها للعلاج بالأشعة. كانت تلك القوارض شابة وتلقّت الليثيوم حتى بلوغها أولى مراحل سن الرشد.

قارن الباحثون تركيبة الخلايا العصبية في الدماغ خلال ثلاثة أوقات منفصلة: في بداية الدراسة، وبعد أسبوعين، ثم بعد 4 أسابيع على تلقي الليثيوم. فلاحظوا زيادة في نشوء خلايا عصبية جديدة في منطقة الحُصين الدماغية المرتبطة بالذاكرة خلال علاج الليثيوم. لكن لم تصبح تلك الخلايا العصبية مكتملة إلا حين توقفت الفئران عن تلقي الليثيوم.

على مستوى الذاكرة والتعلم، سجلت الفئران التي خضعت للعلاج بالأشعة والليثيوم نتيجة مشابهة لتلك التي لم تخضع لأي نوع من الأشعة.

كان لافتاً أن يؤثر الليثيوم على الخلايا التي تعرضت للأشعة دون سواها. يقول أولا هيرمانسون، باحث في قسم علم الأعصاب في معهد "كارولينسكا": "بقيت الخلايا الصحية سليمة نسبياً"!

تضيف المشرفة الرئيسة على الدراسة، جوليا زاني: "إنطلاقاً من هذه الملاحظة، استنتجنا أن الليثيوم، حين يُعطى في نموذج مماثل، قد يسهم في مداواة الضرر الناجم عن العلاج بالأشعة، حتى بعد فترة طويلة من وقوعه".


مسار جديد

يأمل الباحثون الآن في متابعة اختبار إمكانات الليثيوم في تجارب عيادية. يوضح هيرمانسون: "لقد بدأنا للتو نفهم مدى تأثير الليثيوم بقدرة الدماغ على إصلاح نفسه".

تتطلب عوامل متعددة دراسة إضافية. أولاً، تسود مخاوف من أن يعطي الليثيوم أثراً ضاراً من خلال مضاعفة خلايا الأورام المتبقية. يجب أن يصبّ التركيز إذاً على معرفة مدى فاعلية تلقي علاج الليثيوم بعد سنتين من العلاج بالأشعة. في هذه المرحلة، يتراجع احتمال تجدد الورم.

كذلك، يجب أن يتأكد الباحثون من جداول العلاجات الأكثر فاعلية. تدعو نظريتهم الراهنة إلى تلقي علاج الليثيوم طوال شهر تقريباً ثم الامتناع عنه خلال الشهر اللاحق. لا تسمح هذه المقاربة بتحسين مسار معالجة الآثار المعرفية فحسب، بل تُخفف حدة الآثار الجانبية المشتقة من الليثيوم أيضاً. تتعدد الأعراض المحتملة على المدى القصير، منها الغثيان، ورجفة اليد، واكتساب الوزن. بغض النظر عن المسار الذي يختاره الباحثون، من الواضح أن هذا العلاج يستحق أبحاثاً مضاعفة.