جاد حداد

Marseille... قصة صاخبة في عمق مارسيليا

4 آب 2022

02 : 01

داخل ملعب "فيلودروم"، معقل نادي كرة القدم الفرنسي "أولمبيك مارسيليا"، ينحني جيرار ديبارديو فوق طاولة ويشمّ خطاً طويلاً من الكوكايين، فيشعر بالراحة ثم يتّجه نحو الملعب وينظر إلى حشدٍ من مشجّعيه ويقول: "أنا أعشق هذه المدينة". إنه تصريح مبرر، فهو عمدة المدينة منذ عشرين سنة.

أهلاً بكم في مسلسل Marseille الذي يعرض قصة درامية عن المكائد السياسية والفساد وحرب العصابات، مع لمحة من عالم المخدرات.

تتابع "نتفلكس" في هذا العمل تقديم ميزانية ضخمة وإشراك أسماء مشهورة كما تفعل في معظم مشاريعها. المسلسل من كتابة دان فرانك، ومن إنتاج فلورانت سيري، ومن بطولة ممثلين فرنسيين من أمثال جيرالدين بايلهاس وبينوا ماجيميل.

ينضم ديبارديو أيضاً إلى طاقم التمثيل، وهو اسم معروف في الثقافة الفرنسية ويُعتبر من أشهر الممثلين في الخارج لكن يحيط به الجدل طوال الوقت. يحمل ديبارديو الآن الجنسية الروسية بعد تخليه عن الجنسية الفرنسية بسبب خلاف بشأن الضرائب. هو يجسّد في المسلسل شخصية لافتة وصاخبة بالقدر نفسه: إنه العمدة "روبرت تارو". في بداية المسلسل، يُخطط "تارو" لمشروعه الضخم الأخير: تجديد الواجهة البحرية في "مارسيليا" التي ستشهد بناء كازينو عملاق في وسط المدينة، قبل تسليم منصبه إلى تلميذه المتملق "لوكاس باريه". لكن فيما يستعد لمرحلة التقاعد، يخونه "باريه" عبر التصويت ضد المشروع الذي يخطط له، ما يدفع "تارو" للترشّح مجدداً.

يقول فرانك إنّ دور "تارو" كُتِب خصيصاً لجيرار ديبارديو لأنه يحمل المواصفات الجسدية المناسبة لهذه الشخصية. لكن يتراجع دور ديبارديو مقارنةً بما يعتبره منتج العمل "الشخصية الرئيسية": إنها مدينة "مارسيليا". على غرار "نابولي" و"ليفربول"، لطالما تميزت ثاني أكبر مدينة في فرنسا بأجواء رومانسية كفيلة بجذب المبدعين. لكن لا يستطيع أحد التأكيد على احتفاظ المدينة بشخصيتها المميزة. يقول سيري إن مسلسله يجسّد "الصراع" المحتدم بين "مارسيليا" القديمة "ومارسيليا" الجديدة من خلال عرض المعركة المشحونة بين السياسي الماكر والمعاصر والمرتّب "باريه" والسياسي التقليدي "تارو". حتى إن فرانك يقول إنّ "تارو" يمثّل "الجانب النبيل من السياسة". ما سبب مشهد المخدرات إذاً في بداية الفيلم؟

يجيب فرانك: "تتعامل أوروبا مع مسألة المخدّرات بأعلى درجات النفاق. نعرف جميعاً أن الشخصيات السياسية تتعاطى المخدرات. لقد استعملنا هذه الفكرة لمناقشة مشكلة المخدرات. لم نرغب في التركيز على الكوكايين وحده، بل جميع الأنواع الأخرى وتلك التي يتناقلها الناس في الأحياء الفقيرة". يضيف سيري: "نحن نقدّمه كشخص سيئ في البداية عبر مشهد تعاطي الكوكايين. لكن سيلاحظ الجميع لاحقاً أنه عكس ذلك. هو ليس نموذجاً مبتذلاً من السياسيين الفاسدين، بل إنه يحارب من أجل مدينته ويحبها أكثر من عائلته".

يجد صانعو المسلسل صعوبة في استجماع المستوى نفسه من الشغف تجاه وضع السياسة الفرنسية راهناً، ويعتبر فرانك هذه الحالة "مخيّبة للآمال". في ظل تلاشي الثقة بكبار الشخصيات السياسية في أنحاء أوروبا وتوسّع المشاعر المعادية للإسلام غداة اعتداءات باريس في شهر تشرين الثاني، بدأت النزعة القومية تتصاعد في كل مكان، لا سيما في فرنسا حيث يتابع حزب "التجمع الوطني" بقيادة مارين لوبان حصد الدعم الشعبي. يشعر فرانك بالرعب من هذه النزعة المفاجئة إلى تأييد السياسة القومية، فيقول: "أوروبا ليست اشتراكية لكنها ليست موحّدة أيضاً، ويتّضح هذا الوضع في أزمة الهجرة. يحاول الجميع حماية أرضه وحدوده. أنا أعتبر هذه النزعة القومية مخيفة لأقصى حد، ولهذا السبب أعارض خطة "بريكست".

في فرنسا، لم يحصد المسلسل تقييمات موحّدة. لكنّ الانتقادات السلبية جعلت أحد المسؤولين في شركة الإنتاج يعلن أن النقاد في باريس فقط لم يعجبوا بالمسلسل.

يحمل العمل عدداً من الشوائب ويفتقر إلى الأسلوب الجاذب والمواصفات التي تميّز مسلسلاً سياسياً فرنسياً ممتازاً آخر بعنوان Baron Noir (البارون الأسود). مع ذلك، تقدّم هذه القصة الدرامية عدداً من أفضل اللحظات. قد تكون الأجواء العامة صاخبة وسريعة وشائبة لكنها لا تخلو من السحر، على غرار أجواء مدينة "مارسيليا" وبطل المسلسل طبعاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.