طوني كرم

إستكمال التحقيق رهن تعديل مواد من أصول المحاكمات المدنية

"الشعبوية" تفرض نفسها على التحقيق... والحقيقة معلّقة!

4 آب 2022

02 : 00

يواجه المساعي الداخلية والخارجية المُطالبة بكشف ملابسات تفجير مرفأ بيروت مسلسل عراقيل أبطاله سياسيون فجّار يحاولون استنفاد كل ما هو متاح قانوناً وغير متاح لوأد التحقيق و"قبع" المحقق في تفجير 4 آب 2020 وإزالة ما تبقّى من "شواهد" تُخلّد فظاعة الجريمة.

الثابت الوحيد في الذكرى السنوية الثانية لتفجير مرفأ بيروت أن أهالي الشهداء والضحايا كما أهالي الموقوفين في القضيّة يلاقون معظم اللبنانيين في توقهم إلى تبيان الحقيقة وإنزال العقاب بالمقصّرين المتواطئين والضالعين في تخزين كميات كبيرة من المواد المتفجرة في مرفأ مدني وسط العاصمة بيروت.

وإن كان من غير المستغرب أن يأخذ التحقيق وقته لسنتين وأكثر في تفجيرٍ "متشعّب" لا يمكن اختصاره بجريمة واحدة، فإنّ العرقلة المتمادية لمسار العدالة تطرح العديد من التساؤلات، في بلدٍ تُشكّل فيه التحالفات السياسية عائقاً أساسياً أمام انتظام عمل مؤسساته الدستورية، ما يدفع "الدولة" بسلطتيها الإجرائية والتشريعية إلى إيجاد الحلول بعيداً عن التدخل في عمل السلطة القضائية وعرقلة التحقيق العدلي وفق ما أوضح عضو "مكتب الإدعاء في نقابة المحامين" المولج حالياً متابعة المسار القضائي في تفجير مرفأ بيروت، المحامي يوسف لحود لـ "نداء الوطن".

غياب التوافق السياسي الذي حال دون مطالبة الحكومة اللبنانية بالإستعانة بلجنة تحقيق دولية لتعقب خيوط الجريمة، وضع التحقيق في أتون "الكيديات السياسية" والتعسف في استعمال الحق مراراً وتكراراً واستغلال "الثغرات القانونية" مع توصل خيوط التحقيق العدلي إلى مسؤوليات مترتبة على وزراء ورؤساء سابقين، ما دفع ببعض الكتل السياسية "الطائفية" إلى الضغط في شتّى الإتجاهات لإجهاض ما توصّل إليه التحقيق ومكّن المحقق العدلي من الإدّعاء على عدد من الوزراء السابقين وبعض النواب الحاليين.



المحامي شكري حداد



دعوى لكل متضرر

وفي الموازاة، يوضح مقرر "مكتب الإدعاء الخاص في تفجير مرفأ بيروت" المحامي شكري حداد لـ "نداء الوطن" أن كبار المحامين المخضرمين يتابعون كافة الدعاوى المرتبطة في هذا الملف أكان داخل لبنان أم في الخارج، بعد جمع المعلومات من المتضررين وتكوين 1400 ملف تم التقدم بدعوى لكل متضرر على حدة أمام المحقق العدلي. وتتوزع المهام بين أعضاء مكتب الإدعاء الذين يقارب عددهم 20 محامياً، بما يضمن حسن مواكبة التحقيقات والتصدي لدعاوى نقل الدعوى من المرجع القضائي المختص في التحقيق عبر طلبات الردّ ومخاصمة الدولة وغيرها والتي تصبّ غالبيتها في منع المحقق العدلي طارق البيطار من استكمال عمله بعد التمكن من نقل الملف من القاضي فادي صوان.

ويترافق التصدي لطلبات الردّ بوجه القاضي البيطار، بتعقب شركة سافارو التي أوصلت النيترات إلى لبنان مع توصل فريق الإدعاء إلى إلزام الشركة بتحديد صاحب الحق الإقتصادي للشركة وإيقاف محاولات تصفيتها، مع انتهاج "الحكومة" كافة الأساليب الآيلة إلى إخفاء آثار الجريمة وصولاً إلى مطالبتها بهدم "الشاهد الحيّ" على جريمة العصر، أي ما تبقّى من أهراءات القمح في المرفأ.

تضارب المسارات


إزالة مخلّفات الجريمة ـ أو السعي إلى طمسها، لا تقتصر على الأهراءات، بل بدأت بإزالة الشعارات التي تحمّل الدولة مسؤولية الإنفجار منذ اليوم الأول، ومنها وشم "دولتي فعلت هذا" الذي ذيّل على الحائط المقابل للمرفأ والاستعاضة عنه بصور الشهداء والضحايا بعد أسابيع على الفاجعة، وصولاً إلى انقلاب الحكومة على قرار وزير الثقافة محمد مرتضى الذي أدخل الأهراءات ضمن لائحة الجرد العام للمواقع الأثرية التي يتوجب على الحكومة المحافظة عليها، عبر اتخاذ قرار هدمها "حرصاً على السلامة العامة".

قرار الهدم الذي لاقى إمتعاضاً كبيراً لدى الرأي العام وأهالي الضحايا، ترافق مع خطوات قانونية تقدم بها مكتب الإدعاء أمام مجلس شورى الدولة لإبطال قرار الحكومة الذي يعدّ إعتداءً على صلاحية وزير الثقافة كما يشكّل إعتداء على السلطة القضائية كون المحقق العدلي لم يستكمل عمله بعد، إلى جانب مخالفات الحكومة للأصول الشكلية التي تؤدي إلى اعتبار قرارها الإداري باطلاً وفق عضو مكتب الإدعاء في نقابة المحامين المحامي هادي خليفة.

ويشير خليفة إلى أن الدعوى التي تقدموا بها لوقف تنفيذ قرار الحكومة تنتظر بتّ المستشار المقرر في ذلك بعد امتناع الإدارة أي الدولة اللبنانية الممثلة في هيئة القضايا عن الإجابة في المهلة التي أعطاها إياها القانون (15 يوماً). وترافقت الخطوات التي يقوم بها مكتب الإدعاء للمحافظة على الأهراءات مع تقديم نواب "الكتائب اللبنانية" و"نواب التغيير" كلٌ من موقعه إقتراح قانون معجل مكرر لحماية الأهراءات أيضاً، ما دفع المحامي خليفة إلى وضع هذه الخطوات في خانة الشعبوية مشيراً إلى أن القيام بتشريع قانون في دعوى هي قيد النظر أمام مجلس شورى الدولة لا ينم عن سلامة في التشريع ولا سلامة في التفكير، ويفتح الباب لاحقاً لتشريعات تؤدي إلى نسف الدعاوى التي تنظر بها السلطة القضائية والتي لا تلقى رضى وقبول الأهواء والمصالح السياسية والخاصة للنواب، مؤكداً في الوقت نفسه أن السياق الذي اتبعه النواب في تقديمهم اقتراحي القانون يعدّ تدخلاً في عمل السلطة القضائية ومحاولة مبطنة أو مقنّعة بإلغاء الدعوى التي تقدم بها مكتب الإدعاء أمام مجلس شورى الدولة. ومع تشديد خليفة على أهمية إبقاء الأهراءات وعدم تخطي مشاعر المتضررين وأهالي الشهداء والضحايا، أكد أهمية "تشخيص المرض" الذي يحول دون قيام المحقق العدلي باستكمال عمله والبت بكافة الملفات المرتبطة بتفجير المرفأ من خلال تحقيق استقرار في سلامة التشريع، بعيداً عن الغوص في التكهنات والأمور الفنية كما الشكلية المرتبطة بما تبقّى في موقع الجريمة.



المحامي يوسف لحود



توحيد المعايير وحق الدولة!

وفي سياق متصل، وعلى الرغم من الأضواء المسلطة على النيران المشتعلة داخل الأهراءات والتي سرّعت في انهيار بعض الصوامع، يشدد المحامي يوسف لحود على أهمية العمل والسعي إلى إعادة إنتظام عمل المؤسسات بعيداً عن التعسف المتمادي في استعمال الحق مع توصل القاضي طارق البيطار إلى الإدعاء على وزراء ونواب ورؤساء، متخطياً حصر المسؤوليات في الموظفين والمديرين العامين.

ومع احتجاز وزير المالية يوسف الخليل ملف تعيين رؤساء غرف لمحاكم التمييز بما يضمن إكتمال هيئتها العامة للنظر في طلبات الرد وردّ الردّ المرفوعة بوجه القاضي طارق البيطار، يشدد لحود على أن العرقلة أصبحت سلسلة مترابطة لا تقتصر على حلّ عقدة محددة، مؤكداً أن العقدة الأساسية تكمن بصلاحية قاضي التحقيق العدلي بمداعاة وملاحقة الوزراء ورؤساء الوزراء موضحاً أن المدخل إلى الحلّ وقطع الطريق أمام مسلسل دعاوى الردّ يكون عبر تعديل المادتين 125 و751 من قانون أصول المحاكمات المدنية، عبر توحيد المعايير وفق المادة 340 من أصول المحاكمات الجزائية التي تضمن للمحكمة حقّ البتّ بكف يد القاضي عن النظر في الدعوى خلافاً للمادتين 125 و751 اللتين تكفان يد القاضي فور تبلّغه الدعوى، قبل إبداء المرجع القضائي رأيه في الموضوع، ما يعطي المدّعى عليه أو المشتبه فيه قدرة على تعطيل عمل القاضي ومنعه من الإستمرار في عمله.

وفي السياق، وعشية الذكرى الثانية للتفجير، تقدم النائب زياد حواط باقتراح قانون معجل مكرر لتعديل المادتين 125 و751 من قانون أصول المحاكمات المدنية آملاً عرضه على جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب بما يضمن حق الدولة كما جميع المواطنين في تجنب مسار العرقلة الذي أثبت نجاحه في كف يد المحقق العدلي طارق البيطار إلى أجل ما!

المجلس أمام إمتحان

ويشير المحامي يوسف لحود إلى أن هذا التعديل القانوني لا يتطلب ثلثي أعضاء المجلس النيابي كونه قانوناً عادياً يمكن إقراره بأكثرية نسبية، ما يضع الكتل النيابية أمام امتحان فعلي يترافق مع مطالبها المستمرة بتسهيل عمل القضاة بما يلاقي المساعي الآيلة إلى تحقيق استقلالية فعلية للسلطة القضائية.

ولا يقف لحود عند هذا الحد، ليعيد التشديد إلى أن هذا التعديل لا يمكن حصره على قياس دعوى المرفأ أو شخصية قاضٍ محدد، مشيراً إلى أن عدم تعديل المادتين 125 و751 سيسمح لـ"كبار القوم" المتورطين في سرقة المال العام وتحويله إلى المصارف الأجنبية، تكرار سيناريو العرقلة الذي يتعرض له المحقق العدلي والملف القضائي المرتبط في تفجير المرفأ.

واعتبر لحود أن الدولة أصبحت الشخص المعنوي الأضعف بين أشخاص طبيعيين أي أفراد، في حين يفترض بالشخص المعنوي أن يكون الأقوى ما يؤكد أن هذه المشهدية المعاكسة تشكل خطراً مميتاً للدولة يؤدي بها إلى الإنحلال وصولاً إلى الإضمحلال بصورة نهائية في حال التغاضي عن هذا الأمر.

وإذ رأى لحود أن طلبات الرد المقدمة بوجه القاضي البيطار (قاربت 38 دعوى)، تعبّر عن وجعٍ ما، بعيداً عن تشخيص مكامن الخلل الكامن اليوم في السلطة الإجرائية ممثلةً في وزير المال، والسلطة التشريعية ممثلةً في المجلس النيابي، واللتين من خلال عرقلتهما التحقيق تؤديان إلى توجيع أهالي الضحايا والموقوفين على حدّ سواء، مؤكداً أن العقدة هي في المبدأ وليس في الشخص أكان البيطار أم صوان أم أي قاضٍ آخر، متسائلاً في الوقت نفسه ما إذا كان سيسمح لقاضي التحقيق العدلي بملاحقة الوزراء والرؤساء؟

وأكد لحود أن التعويض لدماء الشهداء والضحايا لا يمكن أن يكون مالياً، إنما من خلال القول لهم إن دماء أبنائهم أثمرت قيام دولة القانون القادرة على محاسبة "الكبير كما الصغير"، مشيراً إلى أن المجلس النيابي لا يمكنه أن يحاسب الوزراء ورؤساء الوزراء لأنه مبني على تركيبة سياسية تعتمد التحالفات القادرة على منع المحاكمة عنهم بعيداً عن تعيين النواب الأعضاء في المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.


المجلس النيابي مقصّر!


وأوضح لحود أن المسار الذي اتبعه النواب منذ الإنفجار ينمّ عن مقاربتهم الموضوع بعد امتناعهم عن القيام بدورهم وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية بعد الإتهامات التي طاولت رئيس الجمهورية الذي "كان يعلم" بوجود النيترات في المرفأ. ومع تشديده على كامل احترامه لرئيس الجمهورية الذي يمثل الدولة والمؤتمن على الدستور، أوضح أن المجلس النيابي هو المخول حصراً بملاحقة رئيس الجمهورية وفق المادة 60 من الدستور، وتساءل عن قدرة المجلس النيابي على ممارسة دور السلطة القضائية وانتزاع مسؤوليتها بعد تقاعسه عن القيام بصلاحيته المحسومة، المنفردة والحصرية وفق الدستور.

ومع المساعي التي طالبت برفع الحصانات عن الجميع، لفت إلى أن هذا الإجراء يتطلب أكثرية الثلثين في المجلس النيابي، التي يصعب تأمينها، وأوضح أن تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للتحقيق مع رئيس الجمهورية لا تتطلب أكثرية الثلثين المطلوبة حصراً لاتهامه بعد التحقيق معه والشك بارتكابه أيّ تقصيرٍ ما.

فشل المجلس النيابي في استعمال صلاحيته مع رئيس الجمهورية دفع لحود إلى طرح العديد من علامات الإستفهام حول كيفية استعمالها مع الوزراء ورؤساء الوزراء، مشيراً إلى أن سلسلة الأفعال تبيّن أن الهدف ليس المحاكمة إنما سحب الوزراء ورؤساء الوزراء من الملف الذي يتابعه القاضي البيطار ليصبح مصيرهم كسواهم دون محاكمة، ما يؤدي إلى انحصار جريمة العصر عند حدود المديرين العامين وما دون، واضعاً هذا السيناريو في حال تحققه بمثابة إنفجار ثانٍ أشدّ خطورة من الإنفجار الأول الذي أطاح بالأبرياء والممتلكات والإقتصاد عبر اطاحته بهيبة الدولة والأمل في تشكيل دولة القانون، مؤكداً أن الهدف الجوهري بالنسبة له يبقى في تمكين السلطة القضائية من محاسبة السلطة التنفيذية، ليختم قائلاً: "لا يمكن ردّ القتيل إنما يمكن استعادة الدولة".

تتقاطع المساعي الداخلية والخارجية المُطالبة بكشف ملابسات تفجير مرفأ بيروت وسط تضارب المصالح السياسية المعرقلة للمسار القانوني الهادف إلى إحقاق العدالة بعيداً عن الشعارات الشعبوية، واللعب على مشاعر أهالي الشهداء والضحايا، مع استفحال قوىً سياسيّة في استغلال كافة الثغرات القانونية لقبع "التحقيق" في تفجير 4 آب 2020 وإزالة ما تبقى من "شواهد" تُخلّد فظاعة الجريمة النكراء.